الحراك و الدستور .. جدلية الشرعية الشعبية و الشرعية الدستورية بقلم د. خضري حمزة  

استقال رئيس الجمهورية السيد عبد العزيز بوتفليقة بتاريخ 02 أفريل 2019  و بذلك تحقق المطلب الأساسي الذي رفعه الحراك ذات 22 فيفري 2019، و برزت للعيان مطالب أخرى رفعها المتظاهرون في ساحة موريس اودان بالجزائر العاصمة و في مختلف الولايات الأخرى أهمها رحيل الحكومة التي شكلها رئيس الجمهورية المستقيل، و إنهاء مهام رئيس المجلس الدستوري، زيادة على حل البرلمان بغرفتيه المجلس الشعبي الوطني و مجلس الأمة، و حل المجالس المحلية المنتخبة بلديا و ولائيا .

إن هذه المطالب التي يرفعها الحراك تجد مصدرها في المادتين 07 و 08 من الدستور اللتان تنصان على أن الشعب هو مصدر كل سلطة، و أن السلطة التأسيسية ملك للشعب يمارسها بواسطة المؤسسات الدستورية التي يختارها.

إن مختلف المطالب المرفوعة لا يمكن أن يتم التكفل بها طبقا لأحكام الدستور الساري المفعول و هو ما يطرح إشكالية الأولوية في التطبيق بين الشرعية الشعبية و الشرعية الدستورية ؟

يعتبر مطلب حل حكومة نور الدين بدوي من المطالب الأساسية التي يلح عليها الحراك خاصة بعد استقالة رئيس الجمهورية، و هو المطلب الذي تنعدم الآليات الدستورية لتطبيقه كون أن المادة 104 من الدستور تنص صراحة على أنه لا يمكن أن تقال أو تعدل الحكومة القائمة إبان حصول المانع لرئيس الجمهورية أو وفاته آو استقالته حتى يشرع رئيس الجمهورية الجديد في ممارسة مهامه، و بذلك فان الرئيس المؤقت الذي سيستلم الحكم لمدة 90 يوم تسري من يوم إثبات حالة الشغور لا يجوز له بحكم الدستور أن يقيل الحكومة القائمة التي يترأسها نور الدين بدوي أو يعدلها إلى غاية انتخاب رئيس للجمهورية طبقا للكيفيات التي يحددها الدستور .

من أهم المطالب الشعبية المتكررة في هذه اللحظة التاريخية هو عدم قبول الحراك بالسيد بن صالح عبد القادر كرئيس مؤقت للبلاد على اعتبار انه من  رموز سلطة بوتفليقة التي حكمت البلاد عقدين كاملين من الزمن و هو المطلب الذي لا يتطابق مع ما هو محدد في الدستور الذي ينص في المادة 102 فقرة 07 على أن رئيس مجلس الأمة يتولى رئاسة الدولة مدة 90 يوم تنظم خلالها انتخابات رئاسية و بذلك يقف الدستور و يحول دون الاستجابة لمطالب الحراك الرامية إلى تعيين رئيس مؤقت يحظى بالتوافق بين مختلف فعاليات الحراك على اختلاف توجهاتها و انتماءاتها السياسية و إيديولوجياتها .

رفع المتظاهرون سقف مطالبهم بتوسيع دائرة الشخصيات المطالبة بالرحيل و التي يأتي في مقدمتها رئيس المجلس الدستوري السيد الطيب بلعيز الذي أبان عن ولاء كبير للرئيس المستقيل، حيث رفض عقد جلسة للمجلس الدستوري من اجل إثبات عجز الرئيس عن ممارسة مهامه لأسباب صحية و تفعيل الفقرة  الأولى من المادة 102 من الدستور على الرغم من تقديم مقترح بذلك من القيادة العامة للجيش الوطني الشعبي . إن التكفل بإنهاء مهام رئيس المجلس الدستوري لا يجد له أساس دستوريا كون أن المادة 183 فقرة 04 تعطي الصلاحية لرئيس الجمهورية في تعيين رئيس المجلس الدستوري لمدة ثمان سنوات و لكنها لا تبين الجهة التي يخول لها إنهاء مهامه غير أن القاعدة القانونية الفقهية توازي الأشكال تعطي الحق لرئيس الجمهورية إنهاء مهام رئيس المجلس الدستوري، و في كلتا الحالتين سواء حق لرئيس الجمهورية إنهاء مهام رئيس المجلس الدستوري أم لا يحق له فانه  يتعذر القيام بذلك في ضوء شغور منصب رئيس الجمهورية المستقيل يوم 02 أفريل 2019.

ردد الجماهير في مختلف الجمعات صيحات تطالب برحيل الأحزاب التي كانت مساندة للرئيس المستقيل و هي جبهة التحرير الوطني و التجمع الوطني الديمقراطي و التجمع من أجل الجزائر و الحركة الشعبية الجزائرية و التحالف الوطني الجمهوري و هي المطالب التي لا يمكن للسلطة الحالية أو القادمة التكفل بها لان الحق في ممارسة العمل السياسي مكفول لكل المواطنين على حد سواء و أن حل الأحزاب لا يمكن أن يقع إلا في الحالات التي ينص عليها قانون الأحزاب السياسية في الجزائر و عليه فان مطلب الحراك يجد أمام تنفيذه حاجزا دستوريا و قانونيا آخر .

نظم الدستور الحالات التي يجوز فيها حل البرلمان و هي حالات تعطي صلاحية الحل في عمومها لرئيس الجمهورية خاصة في حالة عدم المصادقة على قانون المالية في اجل 75 يوم أو في حالة عدم منح الثقة للحكومة التي يعينها الرئيس و في كلتا الحالتين و في الحالات الدستورية الأخرى التي يجوز فيها حل البرلمان يتعذر دستوريا التكفل بمطلب الحراك في ضوء شغور منصب رئيس الجمهورية .

من حق الشعب أن يطالب بما شاء لأنه مصدر كل سلطة بل إنه مصدر السلطة التأسيسية في حد ذاتها، و من حق السلطة الحالية أن تلتزم بأحكام الدستور و قوانين الجمهورية متى لا زالت سارية المفعول لأن الخروج من الانتقالية الدستورية إلى الانتقالية خارج أحكام الدستور قد يواجه تحديات جمة أهمها : صعوبة التوافق على خريطة سياسية موحدة في ظل الاختلاف السياسي و الإيديولوجي لمكونات الحراك، فما بين الاحتكام إلي الشرعية الشعبية أو الالتزام بالشرعية الدستورية يكون السؤال المطروح الجزائر إلى أين …؟

 

الدكتور : خضـري حمـزة     

رئيس الجمعية الجزائرية  

 للدراسات الدستورية و القانونية

أترك رد

بريدك الالكتروني لا يتم نشره