الراية الوطنية : تأصيل وتوحيد الوعي طريق التغيير السياسي الآمن بقلم د. محمد الطيب قويدري

في حرب التحرير الوطني ، وفي الحرب على الإرهاب ، وفي كل قتال خاضه جنود من الجيش الوطني الشعبي لاسيما في حربي 1967 و 1973 اتضح بما لا يدع مجالا للشك أن الجندي الذي يقاتل تحت علمٍ يجمع رمزية بلاده ومجتمعه وتاريخه يملك أفراده قابلية أكثر للتضحية من أي شخص يقاتل تحت أعلام ورايات تمثل قناعات فئوية حتى لو اتخذت تلك القناعات شكل تعابير سياسية أو دينية أو اتجاهات وأفكار أخرى.

لقد كان الذين قاتلوا من مجاهدي جيش التحرير واستشهدوا تحت العلم الوطني الذي رسمته  وخاطته أيدي الأمهات في كل زاوية من زوايا شبه القارة الجزائرية قلة بالنسبة لباقي المجتمع لكنهم مثلوا روحا واحدا انبعث من رماد التاريخ، وأعلن أن شعب هذه البلاد لن يموت أبدا ، لقد حُمل العلم واحتُضن في كل منطقة وفي كل ركن وفي كل بيت وفي كل شارع، لم تستأثر به منطقة على أخرى، ولم يدّع زعيم أو فنان أو عظيم مهما كانت قيمته وقدره أنه صاحب الأمر فيه. إنه ملك جماعي حقيقي لأمة رأت فيه أحلامها في الحرية وفي القدرة على الاستشهاد. و لقد كان الذين تحملوا وصبروا وتألموا وخضعوا للتعذيب الجماعي من المدنيين مناضلينَ وأفرادًا من الشعب عاديينَ، هم أول من انخرط في التضحية ، وكانوا جزءً أصيلا من هذه التجربة التي عايشت العصر الحديث بأكمله، وأسست للهوية الجزائرية العضوية غير القابلة للانقسام .

الجيش الوطني الشعبي ليس تجمع جنود أو مخازن سلاح ، بل هو بيت الشرف الذي تقصده الأرواح المتطلعة نحو الكرامة ، الأرواح التي لا تقنع إلا بأكاليل المجد ، إنه مدرسة تحترف تربية الرجال منذ تأسيسها، مدرسة اكتسبت بالعمل الجاد صفة المؤسسة  المحترفة لأنها تجاوزت بفضل الإخلاص أشكال العمل الارتجالي ، وهي تنشد بدأب وصبر التطور المنتظم ، والتفوق القائم على بلوغ أعلى درجات الابتكار والإبداع. إنه مؤسسة تخطط وتستشرف وتتوقع ، وتبني عملها على المعلومات الصحيحة، ويمكن للدولة عند الضرورة ، وفي كل الأوقات أن تطمئن إلى دقة ما يصدر عنها ، وأن تعتمد عليه. هذا التراكم هو الذي يقود إلى الهدف المشترك وإلى توحيد عناصر القوة ، وإلى تفعيل الموارد النفيسة لمنظوماتنا الرمزية والخيالية التي تضطر الدولة في الأوقات الصعبة إلى توحيدها وتعتمد على تفعيل وظائفها.

المؤسسة العسكرية الجزائرية موضع ثقة المجتمع ، ومحل فخر واعتزاز الجزائريين صغارا وكبارا ، لا لأنها تنجح في كل مهمة وطنية تسند إليها ، بل لأن الجزائريين يرون فيها الضمانة العملية الأكيدة لعدم الانتكاس إلى الأزمنة التي فقدت فيها الدولة سيادتها على الأرض والمجتمع ومصيرهما ، ولو أن ذلك حدث ضمن سيرورة تاريخية طويلة تحملت فيها الجزائر مسؤولياتها نحو الأمة ونحو محيطها الاستراتيجي ودفعت ثمن تصرفاتها ومواقفها تضحيات جساما ، الجزائريون يعتبرون جنود المؤسسة العسكرية وضباطها نموذج الإخلاص للوطن ليس لأنهم الأكثر انضباطا إزاء الواجبات التي تفرضها نصوص الدولة الأساسية ، و الأكثر احتراما للقانون في مختلف الظروف وحسب ، ولكن أيضا لأن خطواتهم ظلت حثيثة تترسم هدي رسالة الشهداء الذين أدوا واجب التضحية الكاملة تحت راية أول نوفمبر و عمدوا ألوانها بدمائهم الحيّة المقدسة.

132 عاما من الغزو الثقافي والعسكري كانت كافية لتجريد الأرض الجزائرية من أكثر مواردها ، من غطائها النباتي والحيواني ، وتعرية تربتها وتجريدها من عناصر خصوبتها ، ولكن من المفارقات المدهشة أن هذه المدة الطويلة لم تكن كافية ليقوم الفرنسيون بتنبيه الجزائريين الذين لم تدخر فرنسا جهدا لتقسيمهم والتفرقة بينهم إلى أن لهم ما يجعل منهم غير مستحقين للمواطنة الفرنسية الكاملة إلا بعد قيام الحرب.

132 عاما لم تكن كافية ليقوم الفرنسيون بتنبيه الساورة وسكان القبايل و مرتفعات أولاد نايل ووادي ميزاب أو سكان غيرها من المناطق إلى أهمية البحث عن هوية خاصة بكل منهم؟ ثم أصبح اهتمام فرنسا ببعض هذه الهويات ودعايتها لها في ذروتها بعد الاستقلال خصوصا في منتصف السبعينات .

طيلة قرن وثلث القرن لم تسمح مصالح المستعمر وإدارته ومخابراته بمجرد التفكير في تبصير القبايل مثلا بوجود هوية أمازيغية، وبضرورة النضال من أجلها، ورفع علم سياسي يرمز لها كقضية. كما لم تشجع هذه المصالح الاستخبارية سكان الصحراء على مثل ذلك حتى يسهل فصلها ؟ لأن الأمل عند المستعمرين في ضم الجزائر كلها وإلى الأبد كان أمرا واقعا لا يحتمل الشك ولا الجدل، كان ثقافة استعمار، وعقيدة دين مختلف، وإرادة استغلال لموارد البلد ليس لحساب سكانه بل عكسيا لحساب ما وراء البحر.

ولكن بعد استقلال الجزائريين عن فرنسا ، وتحوّل الجزائر إلى مركز استقطاب سياسي لحركات التحرر الوطني في العالم الثالث، وللوعي الاستقلالي الإفريقي تبعا لذلك؛ فإن فرنسا ذات التوجه والأطماع الاستعمارية المستقبلية في إفريقيا عملت ومازالت تعمل على إخضاع الجزائر شعبا ودولة ومجتمعا لنفوذها الاقتصادي والاستراتيجي ، وقد رأينا كيف شرعت منذ منتصف السبعينات في التخطيط لا لمنافسة الجزائر بنزاهة، ولكن لتفكيك الهوية المركزية للذات الجزائرية بكل المكر و الخبث الممكنين.  وكذلك باشرت أجهزتها المختصة العمل على استدراج جزائريين من مناطق متعددة لاستحداث مجالات عمل خفية كفيلة بخلق شروط بيئات قادرة على تحطيم وتمزيق التمركز حول الذات لدى الجزائريين كما هو واضح ومعلن بصراحة في خطابات بعض أتباع فرنسا الأكثر صراحة ، مثل داعية الانفصال باسمها فرحات مهني.

ومن المعلوم أن المشروع الفرنسي الجديد بدأ سياسيا وفكريا من خلال جهود متعددة من بينها أفكار جاك بيرك وأمثاله من المثقفين والمستشرقين الذين حرصوا على تحضير  الأجواء الملائمة وتوفير الوسائل التي تتيح لفرنسا والملاحق المرتبطة بها العمل على استنبات وتعديد الهويات الفرعية الصالحة لأداء الوظيفة المطلوبة من أجل إنجاح مشروع التفكيك والتفتيت التدريجي للهوية الوطنية الجزائرية المركزية ، وهي الهوية التي لم تعد من وجهة النظر الفرنسية كافية لأن تحقق ما كان مأمولا في التخطيط الاستراتيجي الغربي العام لأن تحققه بطريقة غير مباشرة  ضمن الإطار الكلي لصراع الهيمنة الذي خاضه الغرب ضد الشرق.

ضمن هذه المنهجية جرى بطرق غير مباشرة شغل سكان الشريط الساحلي بنمط حياة وأسلوب لغوي فرنكوفوني، بينما تم التركيز بوساطة الأكاديمية البربرية في البداية ثم بحركة الماك على تجميع عناصر بناء شعور قومي خاص يميز سكان منطقة القبايل ويسهل عملية فصلهم عن الوعي الجزائري المشترك، ومن جهة معاكسة جرى عن طريق توابع الغرب في المشرق العربي تشجيع عملية الشحن المذهبي وتغذية نزعات التطرف، وهو ما يندرج ضمن تنمية  كل أشكال  الوعي المضاد أو السلوك المختلف الذي ينازع هذا الاتجاه ويساعد على تفعيل وتسريع عمليات التفرقة، و تنشيط سيرورة التفكيك الشامل.

احتل العَلَـم ومعناه في وعي الجزائريين مكانة مميزة، وإذا سلمنا بأن هذا المعنى يختلف بين شعب وشعب باختلاف التجارب ، فإن الشعب الجزائري الذي دفع بأرواح مواطنيه من كل المناطق بالقدر نفسه وبطريقة موحدة لينال حريته هو من حقق كيانا متلاحما استحوذت المعاني الرمزية والروحية فيه على خلاصة التجربة السياسية والعسكرية ، وحولته إلى كيان غير قابل للنسيان ، لأنها كانت دائما موغلة في كل جزء من مكونات حياة نفسية طويلة لا مثال آخر لها بين الشعوب ، أي في مكونات تجربة ذاتية جماعية لا تقوم فقط على ما فيها من معاني الألم والتضحية ، ومعاني الحرية والبطولة والحرمان العاطفي ، ووحدة الوجدان ،  وكل ما يغذي الروح بوطنية تلك الذات الجمعية التي كانت مؤهلة لأن تبقى من دون كل ذلك أشبه بهيكل بناء غير مسكون ، أو معنى يدخل المعجم ويغادره حسب الحاجة وحسب الاستعمال وفق تعاقب الأزمان والأجيال ، بل كان من مكوناتها الإبداع والابتكار والبذل الذي جعل من شعوب شمال إفريقيا أئمة علم ومؤسسين مبدعين في ثقافة عالمية جعلت اللغة العربية لسانها إلى العالم ووسيلتها لصنع المعرفة عبر القرون، وتحضير قوام المعركة الاستراتيجية الكبرى معركة المنافسة على بناء وقيادة الحضارية.

معنى العَلم الوطني عندنا نحن الجزائريين يختلف لذلك عن معنى العلم غير الوطني أو الرايات الخاصة الاحتفالية التي ترفع في مناسبات أو مواقف أو تستخدم لتجنيد الجماهير والأنصار من قبل فرق رياضية أو تشكيلات فلكلورية ثقافية متنوعة.

هناك رايات يرفعها أصحابها لأغراض الإشهار السياسي ولتذكير أنفسهم بأنهم أصحاب هوية خاصة مؤقتة من هذه الهويات المختلفة القابلة للظهور والاختفاء، لأن الهويات الأصيلة ليست بحاجة إلى إشهار ولا إلى أعلام ورايات خاصة، هناك مراحل نضال من أجل تأصيل مبدأ أو التعريف بعنصر من عناصر الهوية الوطنية، لكن هذه الهوية الوطنية المركزية لا ينبغي أن تكون هدفا يضرب ويدمر، من أجل إبراز أحد عناصره أو إعطائه المكانة اللائقة به ضمن جسم الهوية الوطنية. وعلى هذا النحو ينبغي أن يفهم جوهر المسألة المتعلقة بالهوية . لا يكون منطقيا ولا مقبولا أن ندمر الهوية الوطنية الجزائرية من أجل عنصر من عناصرها مثل الأمازيغية أو العروبة أو الإسلام، هذه الهوية تجد معناها من تمازج هذه العناصر العضوي غير القابل لتجزيء أو التفتيت، وكل عنصر من هذه العناصر ينبغي أن يرتبط في حياتنا اليومية الوجدانية والثقافية والروحية ببقية العناصر الأخرى، العنصر المفرد يصبح قابلا لأن يهمل ويفقد الاهتمام به إذا فقد طابعه الوطني ، يحصل هذا حتى من بعض المعنيين به من الأفراد أو الجماعات خصوصا حين يضعف تأثير بعض العلاقات أو بعض أشكال الارتباط العقلي والعاطفي أو الواقعي بين . بهذا المعنى يمكن اعتبار الوطنية ورموزها لاسيما العلم الوطني حضنا جامعا لكل عناصر الهوية الجزائرية وضمن سياقه تصاغ الدعوة إلى تغيير جامع وبناء لجزائر نوفمبرية جديدة، ولنظام سياسي ديمقراطي تعددي. . ففي وضعنا الوطني الحاضر نحتاج إلى تركيز النقاش السياسي على مطالب التغيير الذي يوحدنا على مطلب الإصلاح ومحاربة الفساد ،  الإصلاح الرامي إلى بناء الدولة الديمقراطية القوية ، وبناء الثقافة والأخلاق التي توفر البيئة الملائمة للديمقراطية.

للعلم الوطني اليوم وغدا كما كان الشأن بالأمس وظيفة استراتيجية وحضارية تكمن في المعنى العام المشترك الذي يرتبط بتجارب لا يمكن للتاريخ تجاوزها،  بينما لا يرتبط غيره من الرايات الفرعية سوى بمعان خاصة قد تكون متغيرة الاستعمال والتداول حسب تطور الحاجة إلى التعبير عن خصوصية ثقافية أو مهنية وفئوية، وتتضاءل الحاجة إلى مثل هذه الوسائل وتتلاشى كلما تخلص الوعي من عوائق التفرقة والتشتيت المخطط له.

إن العقد الاجتماعي الجديد الذي تنبني على أساسه العلاقة بين المجتمع ومواطنيه من جهة وبين الدولة ومؤسساتها وسلطاتها الرسمية والمضادة وقضائها المستقل، لن يكون ممكنا بيسر من وجهة نظرنا إلا باستعادة وحدة الوعي بوجود وبقاء الذات الجزائرية الموحدة، وبتحقيق الاستقلال التاريخي التام لحضارتنا عن حضارة الاستعمار المهيمنة اليوم على العالم، وضمن مناخ هذا العقد الاجتماعي القائم على دعائم التوازن والحق والحرية والاعتراف المتبادل بين كل مكونات المجتمع لن يكون ممكنا وقوع الظلم على الأفراد ولا على الجماعات أو الفئات مهما قلت في العدد أو كثرت، ومهما صغرت أو كبرت، ولن نكون قادرين على تحقيق هذا العقد الجامع إذا سرنا إلى مصيرنا متفرقين أو ممزقين كما يخطط لذلك من لا يريد لنا الخير.

بقلم د. محمد الطيب قويدري

أترك رد

بريدك الالكتروني لا يتم نشره