” النوفمبرية ” بقلم المناضل جمال مكاوي

ليس بامكاننا تقديم مساندة على صك أبيض لسياسيين لم يعلنوا صراحة عن مواقفهم من الأحداث، و لم يكلفوا أنفسهم عناء التموقع مع هذا التوجه أو ذاك، أمام مرحلة مفصلية تعيشها الجزائر من تاريخها.

ربما الكثير منا كان أو لا يزال يميل إلى أحد ثلاثة، زروال-الابراهيمي-حمروش، و هذا دون انتقاص من قيمة باقي الشخصيات التي تعج بهم الساحة السياسية، لكن ولا واحد من هؤلاء الثلاثة تقدم بمبادرة ميدانية أو موقف واضح و صريح لتسيير و قيادة المرحلة، ماعدا إسداء نصائح في رأيهم تساهم في الحل، و نحن نضع عليهم هذا الضغط لما لهم من تجربة و مكانة تجعلهم على مسافة واحدة من المجموعات السياسية، و لو أن روح المبادرات لا ينبغي أن تتوقف عند جيل دون ٱخر.

و هذا من صميم (النوفمبرية) التي عاد الجميع لينادي في ظل أزمة قد تكون خانقة مستقبلا لا قدر الله، فالنوفمبرية لم تنتظر مبادرة أصحاب التجربة و الخبرة قبل ثورة نوفمبر و اعتمدت على شبان مغمورين هم في الحقيقة من اطلقوها، لم يميلوا لا إلى المركزيين و لا إلى المصاليين غداة الأزمة العاصفة بحركة الانتصار للحريات الديمقراطية.

هؤلاء النوفمبريون الذين شقوا طريقهم السياسي و الثوري بإرادتهم و رغبتهم في الانعتاق، هم من عناهم ابن باديس ببيت في قصيدته الشهيرة ( يا نشء انت رجاؤنا و بك الصباح قد اقترب)، ابن باديس لم يكن يعول على جيله، بل كان يتأمل في ذلك الجيل الذي كان يدرس بمدارس جمعية العلماء المسلمين و يقرأ بكتاتيبها فقال هذا البيت فيه من قصيدة طويلة سنة 1937، عاقدا عليه كل الرجاء في تحرير الوطن بعد تحصيل العلم و التشبع بالوعي التحرري، كان ذاك الجيل الناشئ  ما بين اطفال 5 سنوات و15سنة، تشرب بعدها العمل السياسي و النضال الحزبي في مدرسة حزب الشعب و مصالي و كانت النتيجة ثورة حررت الوطن و علمت المضطهدين كيف يتحرروا.

و الثلاثة الذين ذكرتهم لا غبار  على نوفمبريتهم، و ميزتهم أنهم عايشوا ذلك الجيل و عاصروا ما بعده من أجيال، فحمروش بقيت رسائله تحمل توجيهات يطلقها هنا و هناك و على عمقها لم تجد تبن واضح لا لدى الشعب و لا لدى جهات ما، أما الابراهيمي فأصدر بيانا ثلاثيا له ما له و عليه ما عليه، استشعر بعده أنه لم يشبع و لم يقنع رغبات محبيه، فاجتهد برسالة حاول من خلالها ملامسة كل الأطراف و الأطياف، فيما فصل زروال في أمر تحمل المسؤولية حينما قالها صراحة سنة 2014 “على الشباب أن يتحملوا مسؤولياتهم”.

و ربما مواقف هاته الشخصيات الثلاث و ٱراؤهم فيها من الإيجابيات التي لا تجعلنا نشكك في استشعارهم بالمخاطر و متابعتهم لما يحدث، فنصائحهم كانت واضحة في ضرورة تحمل الشباب مسؤولية صناعة مستقبل بلده و حمايته من المخاطر السياسية و الاقتصادية و الثقافية ووالأمنية، إنما يعد التهرب من تحمل المسؤولية  أيضا عيبا من عيوب السياسة، و يظهر الجميع بمظهر و كأنهم ينتظرون همزا أو لمزا،فعلى كل جيل أن تكون له لمسته المباشرة في صناعة الحدث و التأثير فيه بغض النظر عن الأعمار.

و لهذا فنحن مع من يخوض معنا الغمرات، و يعيش معنا الواقع بحلوه و مره، بانتصاراته و هزائمه، فقد مللنا زمن الرسائل، كل الفئات السياسية لديها قادتها و مناضلوها يهيمون معها في كل واد، الا التيار الوطني (النوفمبري) الذي نعتقد أن ثلاثتهم ينتمون إليه بمشارب مختلفة، فمن يعول عليهم هذا التيار و كأن على رؤوسهم الطير.

فما هكذا نخدم بلدنا و شعبنا، سياسة الغموض هي في الحقيقة مناورة و ليست موقفا، و سياسة الركون الى الأبوية السياسية ستحطم مستقبل الأجيال القادمة، و من اللامسؤولية كذلك أن نحمل المؤسسة العسكرية وحدها إيجاد الحلول أو نفرض عليها حلولا هي ترى أنها تجعلها تتورط بشكل مباشر في الشأن السياسي، و بالتالي تُفتح في وجهها أبوابا من الصعب غلقها.

إيجاد الحلول السياسية هو من صميم العمل الحزبي، و في نفس الوقت نجد كل الأحزاب فقدت مصداقيتها لدى الشعب نتيجة تراكمات مواقفها لعشرين سنة من التصحر السياسي و غياب النضال العقائدي، كما رفضت هذه الأحزاب موالاة و معارضة إجراء تغييرات على هياكلها القيادية و القاعدية تمكنها من استرجاع شعرة معاوية مع الشعب، و تمكنها من أقلمة وجودها مع الجو السياسي الجديد المنبعث في البلد.

ان استمر الأمر على ما هو عليه سنجد البلد في حالة شغور دستوري و وضعية لم ينص عليها الدستور، و الإشكال يبقى في من يملك شرعية الفعل بعد ذلك؟ و من أين سيستمدها؟ فالحراك بعضه مع المسلك الدستوري و لو اجتهادا و استنباطا، و بعضه الٱخر مع الحل السياسي؟.

و العجز الحقيقي يكمن في تعنت الطبقة السياسية في الاتفاق حول ٱلية الانتقال السريع و التي لن تكون إلا عبر انتخابات رئاسية ينبثق عنها رئيس كامل الشرعية.

و في كل الحالات فالحل ليس بأيدي المتطرفين و لن يأت في ظل ما نقرأه و نسمعه و ما ينشر هنا و هناك من افتعال و تأجيج لصراعات ايديولوجية، ستكون كرمي العصا على عجلة التحولات الكبرى التي نسعى إليها.

و في مقابل هذا فمن دواعي الفخر والاعتزاز أن نسمع مجددا لمن يدعوا الى دولة نوفمبرية، و لكن قبل هذا علينا أن نعي أن  النوفمبرية كانت إبان الثورة لا تفرق بين الولايات و الاعراق، كانت تعين قائدا على ولاية غربية من ولاية شرقية و العكس صحيح، كان النوفمبريون يجاهدون في كل شبر من الوطن على أنه جزء من أجسادهم، كانوا لا يستمعون و لا يكترثون لنداءات الجهوية المقيتة.

النوفمبرية هي نشر الوحدة و العمل عليها، و مقاومة كل الأصوات النشاز و الأعمال الخبيثة التي تبث الفرقة و الارتباك و الشكوك. فلو يصدق الجميع من الشعب إلى كل الأحزاب و الشخصيات الفاعلة  في تبني شعار نوفمبر الجامع، على الاقل إلى غاية الخروج من الأزمة و الاتفاق على ٱليات الذهاب الى انتخابات رئاسية، سيكون حتما موعد الرئاسيات عرسا نوفمبريا لبناء دولة يحلم بها الجميع.

بقلم جمال مكاوي:  مناضل جبهة التحرير الوطني

أترك رد

بريدك الالكتروني لا يتم نشره