انهيار الدولة الموازية وسقوط الأقنعة بقلم محمد الونشريسي

لقد بات من الضروري أن نجعل من تاريخ الثاني والعشرين فيفري عيدا وطنياً، لا يقل أهمية عن أول نوفمبر ، لأنه أصبح جلياً اليوم أن الجزائر المستقلة التي كان ينشدها شهداءنا الأبرار والمجاهدين والأخيار، كانت مختطفة وبصورة أكثر دناءة وقذارة من أي وقت مضى فقد أسس المدعو ” توفيق ” منذ 25 سنة لدولة داخل دولة، دولة تغريبية ، معادية للقيم الوطنية، ثقافياً وحضارياً، عملت كل ما بوسعها لربط الجزائر الحرة بفرنسا الاستعمارية، جزائر خاضعة ورافداً أساسياً لاقتصاد مجرم الأمس ولعل عدم وجود الشركات الألمانية أو اليابانية أو الأمريكية في بلادنا بحجم تواجد المؤسسات الاقتصادية الفرنسية ، خير دليل على ذلك.

دولة موازية احتكرت صنع المشهد السياسي للبلاد، فمكنت لأحزاب بعينها ومنحتها شرعية التمثيل النيابي ، بعيداً عن الإرادة الشعبية الحقيقية وهو ما كشف عنه ولاة سابقون، على غرار الوالي السابق لوهران السيد “بشير فريك” الذي أكد أن الحصول على مقعد في البرلمان والنجاح في الإنتخايات ، تعود الكلمة الأخيرة فيه لرأس الدولة الموازية وأخطوبوطها عبر كامل التراب الوطني وليس لأصوات الشعب المخدوع .

دولة موازية رهنت الاقتصاد الوطني وقطاعاته الإستراتيجية وأحبطت نهوضه، على غرار قطاع السياحة الإستراتيجي، حيث أفشلت كل محاولات إقلاعه وما كشفه وزير السياحة السابق ” بن قرينة” دليل آخر على تصميم رأس الدولة الموازية على جعل الاقتصاد الوطني رهينة الريع البترولي وكيف تم حرمان البلاد من أي إقلاع سياحي يليق بمكانة الجزائر وثرواتها الطبيعية.

دولة موازية مكنت لمجموعة من السياسيين ذوي التوجهات التغريبية، المعادية للقيم الثقافية الوطنية من احتكار المشهد السياسي والإعلامي الوطني وهي مجموعة منبوذة من طرف غالبية الشعب الجزائري، لكنها تتحدث باسمه رغما عنه.

دولة موازية اتخذت من الجهوية والعصبية القبلية ركيزة لعملها، والمعيار في تولي المناصب والمسؤوليات الحساسة في مفاصل الدولة، ولعل أحمد أويحيى الواجهة التنفيذية لها بامتياز فرغم ذهاب عديد الحكومات والرؤساء ، إلا أنه بقي العامل التابث في كل المتغيرات، خير دليل على ذلك، لأنه مكلف بمهمة ذات أبعاد مستقبلية مرسومة بدقة، إلى جانب وضع البنوك الوطنية تحت تصرف رجال أعمال ، رأس مالهم من نهبهم للبنوك والتسهيلات التي تم رسمها لفائدتهم من طرف عصابة حقيقية ترأسها الدولة الموازية.

دولة موازية كانت لها اليد الطولى في تعيين المسؤولين على مختلف المستويات و تخوين آخرين وفق معايير لا تخضع إلا لأهواء عرّاب هذه الدولة وتقاريره المزيفة والتي تفوح منها رائحة الابتزاز ، وكلنا يتذكر حملة الأيادي النظيفة لأحمد أويحيى ـ صاحب مقولة ” جوع الكلب يتبعك ” والذي وصفه مساعده وذراعه الأيمن في التجمع الوطني الديمقراطي، بكونه وللأسف “عميل لقوى خارجية” وكثيرا ما ادعى الوطنية وتصرف في الملك العام لسنوات طويلة ،حتى أصبح عنوانا لفقر وحرمان الجزائريين وهو أيضا الذي زج بإطارات عديدة في السجون وبعد تدميرهم نفسياً ومهنياً ، ظهرت براءتهم ،لكن بعد أن أكمل مهمة بيع المؤسسات والشركات الوطنية بالدينار الرمزي ونعرف جميعا لمن .

 

القايد صالح …الضربة القاضية للدولة العميقة:

لعل الهجمة التي يتعرض لها القايد صالح في الأسابيع الأخيرة ،خاصة بعد أن نفذ وعوده بتقديم المتآمرين على الوطن إلى العدالة، نلاحظ بكل موضوعية أنها ضربة أسقطت أقنعة المتاجرين بالوطنية والديمقراطية والحريات، و كشفت أنهم مجموعة متجانسة الأفكار التغريبية البعيدة كل البعد عن قيم وتقاليد مجتمعنا وموحدة في الولاء لفرنسا ، لغة وثقافة ، مجموعة مناضلة ونشطة على مستوى كل المنصات الإعلامية هدفها وحيد ، هو إفشال الحراك الشعبي المبارك ،الذي يسانده الجيش و الدعوة إلى مرحلة انتقالية أو مجلس تأسيسي ، وعدم الاحتكام إلى الصندوق، والخيار الشعبي، حتى يتسنى لهم فرض أنفسهم على الجزائريين ، لأنهم يعلمون جازمين أن لا تمثيل شعبي لهم ، لا في ورقلة ولا في بجاية ولا في خنشلة ولا بشار ولا في كل الجزائر الشاسعة ، فهم يدفعون إلى الدخول في مرحلة فوضى للحفاظ على مكاسبهم التي اعتادوا الحصول عليها بغير وجه حق وتوزع لهم عن طريق المدعو “توفيق” الصنم الكارتوني، عراب المصالح الفرنسية في بلد الشهداء.

هذه المجموعة ومنابرها الإعلامية الشادة على غرار جريدتي الوطن وليبرتي والمغاربية …إلخ، همها الوحيد محاربة كل ما يجعل الجزائر قوية اقتصاديا ، متطورة علميا، مستقلة فعلاً و وفية لقيمها وثقافتها و قبل كل شيء سيدة في قرارها، وكل ذلك بتوجيه ولخدمة مجرم و عدو الأمس و اليوم.

هذا التحامل على قائد الجيش الشعبي الوطني يؤكد أنه ضرب هذه المجموعة في مقتل وأخرجها عن صوابها و أسقط أقنعتها ،فلم تجد إلا مهاجمة المؤسسة العسكرية مطية لاسترجاع عذريتها السياسية والإعلامية وأن القايد صالح كان على دراية تامة بمخططاتها و ولاءاتها منذ زمن بعيد وجاءت الفرصة التي صنعها الحراك الشعبي، ليقدم عَراب هذه الدولة إلى محكمة نوفمبرية بتهمة التخابر للمساس بسلطة الجيش والتآمر على سلطة الدولة و هو ما دفع الأسياد هناك والغلمان هنا إلى الجنون وصوبوا سهامهم تجاه مؤسسة الجيش الوطني الشعبي، لكن اللعبة مكشوفة وزمن الدولة الموازية انهار إلى الأبد بفضل الشرفاء والمخلصين ومستقبل الجزائر لا مكان فيه للجبناء والعملاء والحكم فيه للصندوق الانتخابي لا غير ولا مكان فيه للوصاية بل لسيادة العدالة والقانون، فلك يا قايد صالح بكل صدق المجد وكل المجد فقد وضعت حجر الأساس للدولة الجزائرية الجديدة وأزحت الألغام الاستعمارية التي طالما وقفت في طريق تطورها وازدهارها و سيسجل التاريخ أن الحراك الشعبي وجيشه كانا لهما الفضل بعد الله في رسم معالم الدولة الحقيقية وليس دولة الواجهة التي تُسير من خلف الستار و وضع الجزائر على السكة الصحيحة ،لأن إرادة الله ودماء الشهداء الزكية ودعوات الصالحين فوق إرادة الماكرين.

بقلم : محمد الونشريسي

أترك رد

بريدك الالكتروني لا يتم نشره