fbpx

تخليد..المقدس الشعري..وخسوف البلاغة في قصيد “لرحيلك… ” للشاعر العراقي د.فهمي صالح.. دراسة: د. حمام محمد زهير

   دفدف على روح الزمن الأغبر، حين ترك “الفراغ يمج في الفراغ”، وهتفت عاليا  بالعلو الشامخ والسامق..لا تسقط القناع من يدك..”تهاوت على منابع  الأرض في الزيتون الأخضر”..غصنا  حمله ذات يوم “أبو عمار”في مخيلة الردع من يوم عبوس قمطرير، لاتسقط الغصن الاخظرمن يدك..

      كنت طفلا..تخدش ملامح طبلتي هاته “الكليمات.”.وبعدها رفع أطفال الحجارة..معادن من  القذف الخالص ليشهد الزمن “فينا”..مغالاة..ولان الرفح بعيد…فلا وجود الا لكمات الشعر الغابطة..

    تنفرنا من جلدنا، وتبقرنا حد “النائحات”..انه الأخر يريد..أن يستمع “ألان”إلى غبش الزيتون وهو يحاول أن  يعيدنا “للحكاية من  جديد”.وأنا اكتب فوق هذه الملحمة التي أفاض بها عليا “صديقي الدكتور فهمي صالح”..لا أجد نفسي أجانب الانزياح النقدي في أحلى صوره..”متسائلا” في أطروحات “غريماس”..ورولان بارت..وحتى الشكلانيين الروس..وحضرتني  صور” رامبرانت”..وأشياء ذات ثغاء  قاهر…

صورة…تحت القصف…

      يفسر” الشاعر فهمي ” توسع الفضاء بعد رحيل  “محمود درويش،” توسعة لابد منها ، لأنها” قضاء” وفي غمرتها  يرتكن السؤال، بأنه ليس  بالسهل الممكن، ولا بالفرد الأبتر..ولا بالصخر الاترب، ولكنه حبل طالما  قاد الناس إلى بيوت الوطنية والقومية ، يتفرسها  كالقائد في الفلاة ، ولا شك بدونه ظلت أوطان العرب تئن تحت  ودمنة الشنق بالأسلاك التي  تدير يومياتها البنادق والأحجار، حتى صارت مغانم  يومنا كلها حطاما  من قتل وتشريد وحمى البنادق وصديد اللغم في الديار،.(كلُّ هذا البقاءِ يظلّ..بأنَّكَ في أوطانِنا المشنوقةِ بالأسلاك…كنتَ حبلَ الطريقِ إلى بيوتِنا المنحوتةِ..بأحلامِ البنادقِ والحجر *).

    استعمل “فهمي” مجموعة من التقاينات كلها همزيه ،صلبة(الأحجار..البنادق..الشنق..) ومعه استعمل الاتساع(السعة) الطريق، ثم البقاء بدل الفضاء) انطلق من الكل..لان الفضاء جامع شامل..وما فيه من تقاين..وعلامات فهي من أصله المتغير، أي بمعنى أن الشاعر، حبب لنا تكوينية “درويش” وفراغاته التي تركها  بأنها عوضت ذلك الشموخ الذي تركه  الشاعر  درويش..

طعم بلوح السكون….

    قام “الدكتور فهمي”  بنبرة  شامية، واصفا لفراغ السكون بأنه الهدوء، بما يخاله من  طيف الكلمة  يتحور إلى  بليغ، تركبه مجاميع من الألفاظ المتراصة التي  يضخها “العنفوان “كبئر غابية تعج  بالغوث الإلهامي..وان رحل الشاعر ..فعيون الكائنات ينابيع تغترف من  صولاء الوجوم على ما  ينبته فراقك الحامي..الذي يخرج من ثلمه الكلمات باكيا مالئا جفون..العرب والمبعدين..لان صوتك قصيدة ” مخملية” حملتها السنون ولا زالت (لرحيلِكَ …كلُّ هذا الهدوءِ البليغِ يضجُّ به العنفوانُ..ستغرقُ العيونُ بالينابيعِ تتبعُ صوتَكَ المحبوسِ في سجنِ القصيدةِ.. لتطوفَ بهِ مبخرةُ البلادِ على البلاد .). قصائدك كأنها “غازات مغذية لزرقة البحر واليخضور النباتي في تل الزعتر وميسلون الكفر….

قيمة..ندرة.فوق الجبهات

    حين تكون الصفة هي “طبوع غير قارة ولا  لصيقة” يكون ما عداه في  سلوك درويش قيم ناصعة ، وتصير لدى الغير،  كأنها تيه من أسئلة، فجر أمكنة السؤال على عدة أروقة متناقضا غريماسيا(عن حجرٍ أغلى من ذهبٍ) بين الحجر و حكاية  قوامها عصور “بيلوستوسيية”، وبين (طريدةٍ أشرف من صيادٍ) وبين الطريدة  والصياد..قصة عنيزة وجميل وعنترة العبسي)وبين(وقراءةٍ يجهلُها معلمٌ) تلك القراءة التي  لايعلمها معلم، ويستمر النقيض على أشده في  تغريم المعنى( وطن ..خيانة )في  قوله (وطنٍ كسَرهُ خائنون) ثم موت وحياة عند قوله  (وموتٍ سنابلهُ حياةٌ) كل تلك ألفاظ  “معناها  الايجابي” هو إيحاء للراحل محمود درويش باختصار لأنه مقاوم  من نوع  خاص (وشاعرٍ قاومَ شياطينَ المخيلةِ والغزاةِ) وعزته  الشامية  وبصدره المفتوح(بصدره العاري خسرَ المعاركَ وانّكَسَرْ) لكنه انتصر  بكل  قصيدة مموسقة و وإيقاعية  ليجر معها ملايير عشق لفلسطين (بحروفِ قصائدهِ الزاحفةِ انّتَصَرْ )

قساوة القيمة والاجترار…

     لم يجعل  الشعر من” انتفاضته”  سوى خط افتتاحيا، يريد أن  يتقول فيه عن ” الراحل  درويش “موته  أبهج  المتنمقين(لرحيلِكَ المُهندَّمِ سيشربُ المتورمونَ) سيضنون أن “الشمعة انطفأت ” وحادت عن أصلها  وهم يدركون  إن  درويش موجود “خلف كل  شجرة”، وهم  يضنون  أنهم  بفرحهم  (بالعوراتِ ما لا تُخفهِ حتى بدلاتُهم) أنهم  سيصدون  نفير “الدرويشية ” هيهات  يذرف “فهمي  صالح” على  طبلاتهم  امة الأقوى والمتبقي  رغم ما  انتقوا  به  أحزمتهم (المشتراةُ بالعملةِ الصعبةِ* )،   يتحدث “فهمي” بحديث الواثق وكأن  بين  يديه ملفات تحبط  جرذان العرى والخزي..

     السفر دائما “مجلبة للمعاناة  ومخللة للفرح” عندما يتكون الإنسي مليا تحت لظى الآهات ، فلا يجد متنفسا الا أن يهاجر، و”فهمي صالح ” ألف الترحال في  ذوات  كاتناته  كلها راحلة..وان رحل “درويش” فهو كان يتأبط المعاناة التي يعايشها ” شعبا” حتى وهو في دواليب السلطة   كان رجلا لم تهزهزه ” نغمة السلطة “ولا أبريقها في المتخيلات.

     أصبح الجرح كبير وعندما  لا نقوى  ، “نعجل  بتعبنا” وان  ألآت أصعب ، حتى ولو كان “عبورا” فما عساه  يكون  بدونه من “اظلم “ديجو الغاصبين ، حين  بعثرت  “كلاماته النافثة” روحات الغاصبين ،في أحلامهم  القريبة البعيدة، وما عساه  بدونه يكون الحلم من  جديد أو قريب..تعسا لقساوة القيمة، حين اخترعت أبو القيمة..(لرحيلِكَ .لرحيلِكَ العابرِ فوقَ إرادةِ السلطاتِ…سوف لا نقوى دونَ معناكَ على عبور..حتى ولو في أحلامِنا البعيدةِ ..

“لاشيئ” ينبت بعد أن يرحل الغيث، فتشتد “أذوات” على طبية السنابلـ تغشاها “كالملل” ، أن ألان  وقد أمنا برحيلك (* * * *لرحيلِكَ الحاضرِ سوفَ ندونُ نقطةَ الغيابِ).

    هنا عند الشاعر تحدث فاصلة الغياب الحقيقي ، بعد إدراك الاعتقاد ـ، إننا أصبحنا نؤمن  بالغياب قهرا علينا حقا ..( وهو شر لنا، هذا “الإيمان بالغياب” لأنه سينسينا “ملاحم” صممتها من “دم  سامق” بالعروبة إن النخاع( ابتعادِنا الملحمي عن حضورِكَ الراحلِ) عندها  لاتنخسق البلاغة ، فحسب لأننا جنينا من كل لغات عالم  وصفا للغياب هكذا  وبرفعة  بلاغية جميلة ، يعرب الشاعر” فهمي” صالح مرة  أخرى على العجز في الوصف حيت يكابد الحرف محتوى  الخسوف،  أنها تجسد  “مأساة  وحرقة” يعايشها  مليون  شاعر في امتنا  (في لحظةِ انخسافِ البلاغةِ واشتعالِ المأساةِ..الشاسعةِ في فراغاتِ الحقولِ اليابسةِ) عبر هنا عن “ثلمه الازمىة”واتساعها  بين الحروف والعوالم فكلما  كانت ” شساعة ” كان  انتشارا سالتا  لكل  شي الا الجميل المتبقي  كذكرى قبل إن  تزول في عدم  وجود  البلاغة  التي تعجز عن  تحديد الغياب  ولا الملاحم التي  سيغيبها النبيذ الفاغر على  أسطح  المادة  الغرائبية(حين يشرئبُ الألمُ في ذكرى الأملِ .) عندها  تموت  كل الأشياء الجميلة أو تتعرى فيصيبها الألم كأنه  الم “قوم ما جوج”…

      يتريث الشاعر معبرا في ” صفحة أخرى ” عن ما قفا به الغياب والرحيل لشاعر القرون،  من انبت الزيتون على الكف و”اسقط القناع”عن أقنعة تقنعت  في الشتات والملاذ، هذا الذي  كان ” وزنا  صافيا من ذهب الأمم ” وان ذهبوا  بخلافهم .

      غيابك لن ” يسمعنا طرفة الشعر بعد طرفة بن العبد(لرحيلِكَ الشاعري ..لا أدري حقاً لمنْ سيكونُ الغناءُ…. البكاءُ ؟) يمتزج المتناص بين الغناء والبكاء في أحلى ” صورة  دراماتيكية” تعكس ملاهاة بنوع التراجيديا  (كأنها خلعة بفرحة ) لان المشهد المتبقي هو عصافير لا تجد  لمن  تغني ، وأريج عطور فواحة عدمت  خياشيم الورى ،ولا حتى الكمنجات على الرقاب غنت ، ولا على  الركاب ” فرفرت “لان  طائر “الوضع ” ارتع..(ولمنْ سيَرضَى الورد..أنْ تُمنَحَ روحُهُ ؟…ولمنْ ستزقزقُ العصافيرُ حولَ قصائِد الدنيا..ومنفييِّ الوطنِ والكمنجاتِ الجميلات ؟
وهاهو الشاعر  يجول كاليخضور معبرا متفرسا  قتامه البعد والغياب  ليوسع ضربا  مات بقى  من  شخابيط  تولول  لها  فاتنات عاهرات …(لرحيلِكَ….لرحيلِكَ الجميلِ الضفةُ تمشي إلى جمالِها….بينما تبقى الهمراتُ العاهراتُ تلوثُ ضفافَنا …اليتيمةَ بالحرائقِ والشخابيط…)

   وبلوعة حصرية يرسم “مشهدا دراميا”  كأنها  لوحة سريالية غامقة  في الباهت والتماهي(لرحيلِكَ …. لرحيلِكَ الأخيرِ..اللوحةُ لم تَعُدْ جميلة…لا مُعبّرةً..) هي تلك الدنيا التي غاب منها شاعر الشتات والملاذ درويش محمود..كل  شيء بعده مروهالك..عدلت فرسمت ” بوحا جميلا وتعبيرا أخلاقيا رائعا أيها الشاعر الصديق فهمي صالح..أطال  الله في  عمرك..

أترك رد

بريدك الالكتروني لا يتم نشره