رئاسيات 12 ديسمبر: الانتخابات الحل القيصري الإجباري بقلم د. محمد الطيب قويدري

تعيش الجزائر اليوم مرحلة استخلاف دستوري محتومة بحكم استقالة الرئيس قبل نهاية عهدته، وبعد إلغاء الانتخابات التي كانت مقررة بحكم الدستور في جويلية الماضي دخلنا مرحلة اضطرارية لم تخرج فيها الدولة عن أحكام الدستور، لكنها اضطرت إلى العمل بفتوى من المجلس الدستوري المختص تضمن عدم سقوط هذا الاستخلاف المحدود، هذا الاضطرار هو الذي يفسر تدخل قيادة الجيش الداعي إلى تنظيم انتخابات 12 ديسمبر المقبل دون مماطلة، من أجل انتخاب رئيس شرعي للجمهورية يصبح بإمكانه الشروع في إصلاح كل من نظام الحكم والسلطة والمؤسسات الوطنية، وإعطاء الدولة الجرعة التي تحتاجها من الشرعية،  وجعل سلطتها توفر للشعب الحد الأدنى من  ضمانات الاستقرار اللازم لتسيير الدولة وتطوير الاقتصاد ، وإعادة الطمأنينة لحياة الناس اليومية.

لقد عبرت قيادة الجيش بصراحة عن عدم رضاها عما وقفت عليه من مسلسل المماطلات المكشوف ومخطط التطويل الرامي بقصد أو بدون قصد إلى إضعاف وهلهلة وضع الدولة، وجعلها في موقف دفاع عن أي نوع من التدابير أو الإجراءات التي تضطر إلى اتخاذها لضمان الحد الأدنى من شروط السير العادي لمؤسساتها وأجهزتها، موقف الجيش الذي حسم مسألة انتخاب رئيس للجمهورية يرمي إلى الحيلولة دون أن تصبح مالية الدولة موضع استنزاف، وعلاقاتها الدبلوماسية في حال انتظار، وفعالية وصدقية قراراتها محل شك، وسياساتها محل عدم وضوح فقط لأن مهمة حكومتها لا تتجاوز تصريف الأعمال.

لقد ظهر هذا التدخل وكأنه تعبير عن نفاد صبر المؤسسة العسكرية من عدم فعالية تدابير الاستخلاف الدستوري الذي يحافظ على بقاء الدولة، لكنه في واقع الأمر استباق وقائي للسقوط في فخ فراغ مفتعل ، وحذر من الوقوع في نتائجه التي هي جزء من مخطط منظومة فساد تمثل كل مشروعها في إدامة الوضع السابق الذي كان ملائما لنوايا الاستمرار في نهب واستنزاف قدرات الدولة والبلاد وتحويلها إلى مكاسب خاصة وتحويلات نحو الخارج.

لقد اتضح أن مسار الاستخلاف الدستوري بعد استقالة الرئيس الإجبارية يهدد باسترجاع منظومة الفساد بيد ما خسرته باليد الأخرى، وأن تأخير الانتخابات يرمي بقصد أو بدون قصد إلى تأخير وجود رئيس قادر على تسريع إصلاح ما يتطلب الإصلاح على مستوى النظام والدولة والقوانين والاقتصاد، كان لا بد إذن من تسريع اللجوء إلى تدخل جراحي هو بمثابة “الحل القيصري” الكفيل بضمان المرور إلى المرحلة الجديدة وإنجاح انتخابات شفافة وحرة تكون العربون الذي يطلبه الشعب للعبور إلى عصر جديد، وإتاحة فرصة نهضة حقيقية للبلاد والدولة.

مقاومة الحل تعود لعقلية رفض حكم الأغلبية

ومن الطبيعي أن يتجند من كانوا بالأمس في مقدمة نخبة المجتمع المفيد لتولي قيادة المرحلة المقبلة والاستيلاء على الرأي العام، والهيمنة على صدارة الخطاب المعارض، وأضحىى من يريد عرض آراء جديدة هو من عليه أن يستحي من تقديمها أمام وقع هذا الخطاب الحاد والعنيف الذي لا يراعي حدودا ولا يخشى أحدا ولا يريد أن يعترف للشعب بأنه لم يعد قابلا للاستغفال إلى الدرجة التي يرضى فيها بجلادي الأمس القريب كعرّابين جدد للإصلاح والديمقراطية من خلال دعوتهم الجيش إلى القيام بانقلاب يبرره خلاف هؤلاء مع قيادته، أو أن يرضى هذا الشعب بانتهازيين كانت قد صنعتهم الإدارة ، أو تقدمهم  المنظومة التجارية للإعلام كموجهين لمشروع التجديد، وكقادة رأي لحراك يستخلف حراك الشباب بمشروع مختلف.

عندما تتولى أقلية نخبوية مهمّة تجزئة النضال الديمقراطي، وهي تعمد إلى انتقاء ما هو مناسب لها من مبادئ الديمقراطية، فإنها تقوم بوعي بإقامة ديمقراطية نوعية منفصلة كليا عن الفكر الذي تنتمي إليه، وبذلك تكون الديمقراطية المقترحة قد جردت فعلا من أحد أسسها وهو حكم الأغلبية، وتكون قد أبعدت عن الثقافة التي لا يمكن أن تعيش أو أن تستمر من دونها.

هذا الخطاب الانتقائي التجزيئي هو الذي يفقد هذه النخب صدقيتها لدى المواطن النزيه، ويهز الثقة المفترضة في أطروحات معارضة ناضل أصحابها ضد النظام ولكن لصالح الدولة بصورة أكيدة.

لكن المواطن والمثقف الذي يعرف الديمقراطية -لا كعقيدة سياسية نقيضة للحضارة والثقافة في بعدها الشرقي- وإنما كمنهجية حكم صالحة لإقامة العدل بمعانيه الاقتصادية والثقافية والسياسية ضمن حدود انتماء الجزائر إلى الحضارة العربية الإسلامية هذا المواطن سيعرف كيف يفرق بين انهيار النزاهة الفكرية لدى الحقوقي أو المثقف الذي يخون قضية الديمقراطية، وبين قضيتها التي تبقى عادلة وقائمة مهما خلف متبنوها وعودها أو تخلفوا عن مبادئها.

نشعر بتنامي الحاجة إلى الثقافة التي بإمكانها تنوير القلوب والعقول قبل أن ترسم معالم السياسات الجديدة، وبسبب الفراغ الرهيب ينفسح المجال واسعا أمام حملات صادة ومتتالية من الأراجيف والدعاية التي لا تتورع عن استعمال طرق منافية للأخلاق ومتناقضة مع روح ونص القانون، الذي وإن لم يصلح كله إلا أنه يبقى قانونا لا يصح تجاوزه إلا بتعديله أو إلغائه وهو المطلب الذي يوحد بين كل القوى الحية في البلاد وخصوصا بين الشعب وجيشه، على أن يتم ذلك ضمن إطار الدولة لا ضمن أطر أخرى يستحدثها أصحاب الأغراض الخفية، وتوجهها حكومات أو جهات أجنبية متناقضة المصالح.

بالرغم من الكم الهائل من التهويل وتعمد البلبلة، ومن تجند البعض للدعاية فإن المواطن الذي يعرف جيدا الحقائق على الأرض، ويعرف أكثر القراءة وراء السلوك السياسي لهذا الطرف أو ذاك، ولديه من التجارب ما يمكنه من تجاوز كل ما هو سطحي أو ظرفي من المعطيات، هذا المواطن تمكن من التعبير عن رأيه، وهو قادر على مفاجأة أكثر الناس تشاؤما أو تفاؤلا، ذلك أن المرور نحو الاستقرار هو ضمانة أساسية للمستقبل وهو لا يقبل إخضاعه للتحليل الموضوعي أو الظرفي، تماما كما لا يقبل أن يوكل أمور حياة الجزائريين ومصائر البلد والدولة لملابسات وخفايا التجارة الإعلامية.

ربما يسيء الناس الظن بالأشخاص أو يحسنون الظن بهم حسب الظروف، تلك قضية عارضة وليست أساسية، وهذا السلوك لا يصح في حق الدولة أو في حق الجيش كما لا يصح في حق الشعب، لأن هناك مواقف تتجاوز السياسة إلى المحافظة على البقاء، وهناك مسائل تتجاوز المصالح إلى منح الأولوية للضرورات وحتميات الوجود الاستراتيجية. لذلك ستكون المراهنات على الانتخابات مفاجئة لكل من يظن أن الجزائريين سينسون أن مصير دولتهم واستقلالها مرهون فقط بوعيهم ويقظتهم الدائمين ، تماما مثل إدراكهم اليقيني أن الاستقلال الوطني للجزائر يساوي جيشا قويا قادرا على مقارعة كل عدو مهما بلغت قوته وأن القتال دفاعا عن الجزائر وجودا ووطنا وأمة لا يعتمد أبدا على تراكم وتنويع الأسلحة أو على مضاعفة التعداد البشري، بل يعتمد على الإنسان وروحيته، و على ما يستطيع تحقيقه من قدرات وأولها قدرته الفعلية على التضحية، كما يعتمد على الإيمان بالجزائر والوفاء لعهود الشهداء.

بقلم : الدكتور محمد الطيب قويدري

أترك رد

بريدك الالكتروني لا يتم نشره