“روجي غارودي” يـستذكر منفاه في الجلفة بقلم مريم براهيمي

 كانت فرصة سانحة وجميلة أن أتعرف على المخرج الشاب مختار كربوعة وفوزي الرايس، من خلال العمل الوثائقي الذي قدماه عن شخصية “روجي غارودي” التي اقرب ما يقال عنها أنها شخصية ملهمة في العالم ، انه عمل سلط الضوء على رجل مفكر وفيلسوف شيوعي صقل اعتقاله في سجن عين أسرار بالجلفة _التي تقع جنوب الجزائر_ توجهاته التي انتهت به الى الإسلام والوقوف الى جانب القضية الفلسطينية في عديد المحافل الفكرية والسياسية .

عزلة”روجي غارودي” الجبرية مع “ماكس أوب” وغيره من المعتقلين جعلته يأخذ موقفا جديدا للبحث في الفكر والدين والتوجهات وينعتق بتفكيره أمام دواعي “ناس الجلفة ” ممن أحاطوا بمكان اعتقاله بأوامر فرنسية أن يكونوا رحماء على ضعفهم ، أقوياء امام جبروت الفرنسي ضدهم ووحدها الفطرة الانسانية التي دفعت بهم أن يكونوا بهذا المقام ، ليتفطن غارودي على عالم آخر لا يشبه عالمه الشيوعي في الغرب .

الجانب التقني في الفيلم كان جميلا ، متقنا ، فائق الاعتناء والاهتمام به ، ربما أستطيع القول أننا امام مرحلة جديدة سنشهدها من طاقات إبداعية ستدون للمشهد التاريخي والثقافي للجلفة ، بأساليب جمالية ستجعل المتلقي مدهوشا أمامها ، انها الجلفة قلب الجزائر النابض بتراثها العريق والقديم الذي لا يزال غابرا ، فلا أقلام ولا عدسات كاميرا باستطاعتها ان تتحمل وتلملم هذا التراث المبعثر و المتراكم ، لكن قد ينجح التصور الإبداعي والفني أن يلخص لنا ولو جانبا منه بمنظورفني شبابي يؤثث مكتبة السمعي البصري محليا ووطنيا .

الفيلم عاد بنا من خلال الاستعانة بفيديوهات الأبيض والاسود الى حقبة الاربعينيات ، اين كانت الجلفة تحتفظ بآخر محطة للقطار الذي نزل منه روجي غارودي وزملاءه من المعتقلين ، لتكون محطة أخرى وبداية شاهدة على تجربة قاسية في رقعة جغرافية جِلفة لا ينصهر فيها أي شخص سوى من عاشر طبيعتها ، لقد كان فاصلا ممتعا وأنيقا أن نتفكر في الآلام التي نعيشها اليوم ، فهناك من الذكريات ما يدفعك أن تفكر أن هناك ما يستحق الاجتهاد من أجل هذا الوطن ، هذا المجتمع ، هذه البيئة التي كانت ملهمة لروجي غارودي وهو في منفاه ، ما الذي تغير اليوم يا ترى ؟! كانت صورة التعايش والمحبة والسلام  بين مختلف المعتقدات والانتماءات العرقية هي السر الذي تضمنه الفيلم الوثائقي ، والناس في مدينتي قديما كانوا لا يفرقون بين أعجمي أو عربي إلا بالتقوى،  والإنسانية كانت حاضرة بكثافة عالية ، مرة أخرى ما الذي تغير يا ترى ؟!

انتظرت من “ذكرى في منفى”، وهو عنوان الفيلم الوثائقي ، أن يكون هناك اختراق لظلمة المنفى الذي عاشه غارودي وفتح الأبواب على فضاء جرت فيه أحداث وأحاديث كثيرة ، لكن ليس بالضرورة أن يكون الانتظار دائما في محله فقد أثار هذا الانتظار بدله اسئلتي عن ما يا ترى كان يفكر بهغارودي؟ كيف كان يصوغ أسئلة الوجود في عزلته عن العالم ؟ أم أنه كان يفكر في الحياة أو بطريقة موت ونهاية جديدة ورحيمة تختلف عن أي معتقل آخر ؟ ربما كلها أسئلة سيحتفظ بأجوبتها معتقل عين أسرار .

الفيلم شارك في مهرجانات دولية عربية ، المهرجان الدولي للفيلم العربي بوهران ، ومهرجان الإسكندرية لدول البحر الأبيض المتوسط ومهرجان القدس السينمائي الدولي ، ومن من المنتظر ان يسافر مرة أخرى الى مصر الشقيقة مشاركا في مهرجان الاسماعلية لتكون الجزائر حاضرة في بلد الاهرامات وتستضيف الهرم روجيغاروديومنفاه بصورة بصرية من عدسة شابين تحديا العوائق المادية والامكانيات البسيطة ، ألسنا من اللاشيء نخلق هواجس الإبداع ؟

مريم براهيمي  إعلامية ، باحثة

أترك رد

بريدك الالكتروني لا يتم نشره