مساحة للتفكير: أولويات .. بقلم الدكتور محمد الطيب قويدري

التفكير هو ما نقوم به كل يوم، منذ أن نستيقظ وحتى الاستعداد للنوم، نقوم به بأشكال منظمة، وأخرى غير منظمة، وفق منهجية محددة، وبلا أدنى ترتيب أو نظام أحيانا أخرى، في الغالب ننفعل لسبب، وتتملكنا الحيرة لآخر، ونحن نتلمس طريق التفكير، نكون في الغالب في طرق متفاوتة نظن حينا، نعتقد أحيانا، نتيقن أحيانا أخرى، ربما نشرع في تحليل ما لما يصادفنا من معطيات، بحكم طبيعة الموقف، وإذا كنا من المحظوظين فقد تقودنا ظروف أو مؤسسات وربما أشخاص إلى السير في اتجاه التفكير المنهجي، أو التفكير الموضوعي، وصولا إلى التفكير العلمي الذي يقف في أرقى درجات سلم التفكير المنظم.

هذه الإشارات إلى التفكير، أو بالحري إلى جوانب من حياتنا النفسية تتصل بطريقة أو بأخرى بجهازنا العقلي وبوظيفة التفكير التي نسندها إليه بوعي، تبقى مجرد إشارات هنا، ولو أن بعض الاختصاصات الدقيقة تدفع أصحابها إلى جعلها موضوعات بحث ودراسة كما هو شأن علم اجتماع المعرفة، والإبستيمولوجيا، لكن هذا ليس موضوعنا هنا.

لماذا هذه المساحة للتفكير؟ ولماذا التفكير بالذات؟ السبب هو أننا نفكر كل يوم، لكننا قد لا نفكر باستمرار بطريقة مفيدة لنا، لأن التفكير المفيد هو التفكير المنظم، المخطط له بروية، والذي له أهداف مرسومة بدقة نسبية. ونحن نعيش بطريقة تلقائية وعفوية، بل وحتى فوضوية في أكثر الأحيان، لأن العفوية قد تكون نوعا من النظام الذي يناسب بعضنا، بالنظر إلى مرحلة من العمر، أو ظرف من الظروف. لعل هذا سبب في أن يكون تفكيرنا في الغالب من النوع العفوي، أي البسيط، أو حتى من النوع الذي يمكن وصفه بأنه فوضوي، أي بعبارة أخرى ليس تفكيرا حتى.

هل الكلام له علاقة بالتفكير؟ وأنا هنا أتحدث عن الكلام اليومي، مع بعضنا في الشارع، في المقهى، أو في المجالس العامة حيث يلتقي جمع من الناس؟ نلاحظ أحيانا أن مستوى الكلام عندنا أضحى في درجة أدنى مما كان عليه الحال لدى الجيل الذي سبقنا، بالرغم من فرق الإمكانات والتعليم ووسائل التواصل المتاحة بين اليوم والأمس، أي في السبعينات والستينات مثلا، في الواقع ربما يتعلق الأمر بدرجة الرقابة التي كان آباؤنا يمارسونها على أنفسهم وألسنتهم ولا نوليها عناية كبيرة اليوم.

لكننا إذا تأملنا المسألة جيدا ندرك أن الأمر قديكون أعمق من ذلك، لأنه يتعلق بوجود نظام جماعي يتحكم بالكلام، بطريقته، بشروطه، شروطه ضمن جماعة، وداخل الأسرة، وبآداب الكلام والاستماع في العلاقة مع أهل العلم، بمعنى أن الجماعة القديمة كانت أكثر انضباطا من الجماعة الحالية. وأن قيمة الكلام تغيرت، حيث لم يعد لآليات الانتقاء الأهمية نفسها، كما لم يعد الناس عندنا يقيمون وزنا لتأثير كلامهم السلبي والإيجابي.

أيهما أنتج الثاني انهيار نظام الكلام تسبب في انهيار نظام الجماعة ؟ أم انهيار سلم القيم الجماعي سبب هذه الفوضى في الكلام التي غيبت المعنى حتى أصبح الناس لا يهتمون بما يقولون، وإذا سمعوا لا يهتمون بما قيل لهم، عندما أعود بذاكرتي إلى مجالس قديمة مع كبار سن متعلمين أو أميين، وخصوصا منهم الأميين، أشعر أن معلوماتهم لم تكن ناتجة عن تلقين ونقل عن أشخاص آخرين وحسب، بل هي معلومات اكتسبوها بطريق التجريب أولا، وتوارثوها عن أسلافهم الذين كانوا يثقون بصدقهم وبصحة توجهاتهم، وبالتالي بدقة معلوماتهم، وكان المعيار للتثبت من صحة وصواب كلامهم هو عرضه على تجربتهم الشخصية التي كانت حاضرة بقوة في حياتهم.

محمد الطيب قويدريكل كلام كنت أسمعه من أحد أولئك الكبار في السن الأميين غالبا، كانت فيه لمسة صاحبه الشخصية في بناء المعنى وعرضه وتأكيد صحته من منطلق التجريب الذاتي، وكنت ألاحظ دائما كيف أن الثقافة الأمية، أو الفهية كانت تسير على النظام نفسه الذي بنته عبر القرون الثقافة العالمة، نظام قام في جزء كبير منه على الملاحظة والمشاهة والاستنتاج، لقد كان أولئك الأميون أكثر حكمة، ورزانة،وكان كلامهم أكثر فائدة وكانت له قيمة محسوسة في صنع حياتهم الاجتماعية والثقافية اليومية.

مشكلتنا اليوم، وأجيالنا الجديدة تصنع آلة تفكيرها في المدرسة، وهي كما يفترض أن تكون مؤسسة منظمة، يقوم عليها أناس مدربون على مهارات لغوية ومعرفية، أي أن لديهم بيداغوجيا ومنهجية تجعل عملهم مثمرا، مشكلتنا اليوم أن أبناءنا لا يتعلمون الكلام بطريقة لا نقول إنها علمية، بل نريد منها أن تكون مفيدة وأن تكون من أجل الوصول إلى تلك الإفادة والاستفادة هادئة، و منظمة.

اليوم نلاحظ أن الادعاء يبرز أكثر مما يبرز التواضع، الادعاء ليس سوى نتيجة لعدم اكتمال عملية المعرفة عند صاحبه، أي عدم تمكين هذا الشخص من المرور بمرحلة الاستماع إلى من لديهم القدرة الحقيقية لا المتوهمة على الإفادة، لأن الاستماع يساعد على الفهم، ونحن لن نستطيع جمع المعلومات الضرورية والتفكيربها وصولا إلى فهم القضية التي نريد التفكير فيها، أو قل الكلام عنها.

الادعاء هو اليوم سلوك ذهني متداول بين الناس في مجتمعنا الجديد الذي بنته المدرسة والتفزيون والصحافة، هذه المؤسسات التي تعمل بطريقة فوضوية وكأنها معدة – وهي ليست كذلك- لنشر مظاهر وأشكال متعددة من الانحرافات داخل طريقة تفكيرنا اليومي، أحد مظاهر الادعاء يتمثل ضمن سلوكنا الفردي بقفز المتكلم إلى استنتاجات متسرعة أو نتائج غير مؤسسة، أي أنه تكلم من دون أن يجعل نفسه يمر بالمرحلة أو بالمراحل التي تسبق الاستنتاج بدهيا، فيكون كلامه بلا معنى تقريبا، لأن المتكلم لو تريث قليلا وراجع بنفسه كلامه لأدرك دون حاجة إلى مساعدة من غيره أن كلامه لا يخضع لمنطق منظم، وليس فيه أي ترابط أو تسلسل من خطوة إلى التي تليها.

ذهنية الادعاء هذه هي التي تتسبب في التسرع، وتؤدي إلى الارتجال، وهذان العدوان للمرء من داخل نفسه، هما في الأغلب وراء حالة الغفلة عن تحري الدقة في الكلام، والتثبت من مصدر المعلومة، والتحفظ على ما نرويه للآخرين من أخبار وما نقدمه لهم من معلومات، زد على ذلك أن الممارسة الخاطئة للكلام، وهي تعبير ظاهر عن ممارسة خاطئة في التفكير تتسبب في نقل عدوى الكلام المرسل على عواهنه إلى الغير، ونشرها في أغلب الأوساط، وأقوى سبب لانتشار طرق التفكير الفوضوية في مختلف الأوساط هو الظن القاتل بأن ما يقوله المتعلم كله معلومات صحيحة.

منذ عقود وعلماء الاجتماع عامة يرددون على مسامع الجميع أن أخطر الناس على المجتمعات وعلى العلم والمعرفة هم أنصاف المتعلمين، الذين يظنون أنهم يعرفون ما يتكلمون عنه معرفة كاملة، وهم في واقع الأمر لا يعرفون إلا معلومات عامة أو أجزاء غير مكتملة مما يتكلمون عنه، ومشكلتهم لا تكمن في ذلك النقص، بل إن الأخطر من ذلك هو عدم القدرة على الاعتراف بأنهم لا يعرفون الموضوعات التي يتحدثون عنها بالشكل الكافي.

الوعي الديني عندنا كان يمكن أن يشكل حلا من الحلول، إلى جاني الوعي العلمي الذي بوسع السيكولوجيا وعلم الاجتماع إن يساعدا على دعم انتشاره بين أفراد الجماعة. لكن الذي حدث هو أن الوعي الديني أضحى سببا من أسباب انتشار الادعاء والتنطع بدلا من أن يكون وسيلة من وسائل مكافحته الفعالة. فالتقوى والخشية من مزالق اللسان التي ترمي بالمتكلم في نار جهنم يفترض أن تدفع المتدين إلى تحري الدقة في كل ما يقول، بل وتحثه على الامتناع عن الكلام إلا عند الضرورة القصوى، والوقوف على الحق دون مراعاة الأنانيات التي تنفخ في نفس صاحبها الكبر والتعالي وعدم الاعتراف بالنقص أو الخطأ.

التفكير ودراسة التفكير ومعالجة نقائص التفكير ليس مجرد وسائل للنمو العقلي، ولتطوير الملكات العقلية لدى أبناء الجزائر، إنها بالمنطق الديني فريضة أوجب من كل الفرائض، لأن التفكير المعتل تنجر عنه مظاهر تدين معتلة، وهي بالمنطق السياسي واجب وطني، وضرورة مدنية لأن المجتمع الذي لا يفكر بطريقة سليمة، لن يتواصل بشكل صحيح، وسيضع في طريق نفسه عراقيل وعقبات زائدة عن عراقيل وعقبات ترتبت عن ظروف تاريخه السابق.

من هنا كانت ضرورة فتح مساحة للتفكير في كل ما يحتاج إلى تفكير، وطريق الألف ميل يبدأ بخطوة على رأي المثل الصيني، ولعل أصعب ما في المسألة هو أن طلب العلم إذا تم بالطريقة المعوجة فسيؤدي بنا إلى بناء جيل لا ينتظر منه الكثير في المحافظة على استمرارية كياننا، وإذا تحول التعليم إلى عائق يحول دون تحقيق التعلم على الوجه الصحيح فعلينا أن نستيقظ و نواجه محنة أخطر من محنة التخلف الموروث عن الاستعمار.

 

بقلم الدكتور: محمد الطيب قويدري  

 

أترك رد

بريدك الالكتروني لا يتم نشره