مساحة للتفكير: العلم في التفكير..وفي التصرف بقلم الدكتور محمد الطيب قويدري

في موضوع قد سلف تناولنا مسألة الاستخدام اليومي للعلم عند الناس، وكيف أننا نتصرف وكأننا لا حاجة بنا إلى العلم في غير التباهي بالشهادات الكبيرة أو المستويات العالية، فالعلم له وجود نظري في حياتنا لكننا من زاوية عملية لا نملك طريقة لاستخدامه. الأمر يوحي بأننا لسنا في الواقع مقتنعين تمام الاقتناع بحقيقة الوظيفة التي يمكن له أن يؤديها، كما لو أننا نعاني انفصالا بين إدراكنا النظري للعلم وفائدته وأهميته، وتطبيقنا الفعلي لهذا الإدراك أو الإيمان بجدوى العلم.

هل القضية ، ونقصد بها قضية عدم القدرة على الاستفادة من العلم، تتعلق بنمط التدين الموجود عندنا، أم هي مرتبطة بنمط من التخلف النفسي نعاني منه؟ أم أنها تتألف من تضافر العاملين وربما عوامل أخرى غيرها لم نتعرض لذكرها؟ إن مكانة العلم عندنا تبدو عظيمة الأهمية، وهو حسب موقعه في منظومتنا الثقافية والدينية  يبلغ درجة القداسة، لتماهيه النظري مع الدين، فالعلم دين، والدين علم، وبعبارة أخرى لا دين بلا علم، ولا علم بلا دين أيضا، وهذه العلاقة تطرح مسألة دنيوية العلم ودنيوية الدين كما تناولها العالم الأصولي الشاطبي في كتاب الموافقات الشهير.

القضية إذن مرتبطة عضويا بالوعي عند الإنسان، والوعي يمكن أن يغلف بغلاف ديني ويصبح غيبيا، كما يمكن أن يتغلف بغلاف دنيوي ويصبح وعيا زمنيا، والمشكلة الكبيرة التي نحن واقعون فيها هي أن وعينا ظاهره غيبي، ومخبره مادي، ولذلك تطرح علامات استفهام محيرة على حقيقة وعمق فعل التدين عندنا الذي يكاد يكون مشكلة بدلا من أن يكون حلا مفيدا نستهدي به لحل المعضلة الأخلاقية في حياتنا الاجتماعية والسياسية وحتى الدينية.

لماذا كل الناس عندنا –تقريبا- ونقول تقريبا من باب التحفظ، يشعرون بأن التدين أضحى مجرد قضية تتناولها الألسن، بالرغم من الإقبال على الدروس الدينية وعلى الصلاة في المساجد، والصوم التطوعي في كل مناسبات العام، وبالرغم من أداء معظم الفرائض، والالتزام الشكلي بكل ما هو مطلوب، وما هو مندوب ومستحب؟ بالرغم من كل ذلك يشعر الجميع بأننا نزداد بعدا عن حقيقة الدين، ويزداد حضور الظواهر الغريبة عن معنى الدين في سلوك المسلمين في كل بلاد العرب وبلاد المسلمين، ومنها بلادنا، خصوصا ظواهر التوحش والعنف العبثي والاستهتار بالإنسان، والاستهزاء بالحق، وكأن تعبيرنا اليومي لفظا عن إيماننا بالله واليوم الآخر والقدر خيره وشره والملائكة والرسل جزء من عادات تعودناها، ونفعلها ونحن في غاية الغفلة عنها.

نتهم من قبل غيرنا، وحتى من المسلمين من ذوي الاتجاهات الليبرالية والعلمانية واليسارية بأننا نعاني من مشكلة الوعي الغيبي، وفي الجهة المقابلة الدعاة إلى الإصلاح، والدعاة الذين يتخذون من الدين مواد لدعوتهم يتهمون الناس بأنهم دنيويون، وأن هذه الدنيوية المادية هي التي تتسبب في هذا النوع من الاستلاب لأفكار الغرب. لكن هذا التشخيص الذي يؤدي إلى الاتهام لا يحل المشكلة، فلو كنا دنيويين فإن دنيوتنا هذه لا تقربنا من العلم أي من السلوك العلمي، ولو كان وعينا غيبيا فإن غيبيتنا هذه لا تجعلنا نقدس العلم طاعة لله ولرسوله، ونجسد هذا التقديس في المعاملة اليومية والممارسة.

المشكلة باقية في الحالين على حالها، وكلما تقدمنا في الزمن نجد أنفسنا في مكانة مساوية لما سبق، أو متأخرة عنه في معظم الأحوال، هذا الدوران في الفراغ لا يعود كما نظن إلى هذه الثنائية الضدية بين الوعي الغيبي والوعي الزمني، فبالرغم من أن الوعي الديني يقوم على مبدأ أن الدين هو فعالية دنيوية وأن وظيفته مرتبطة ببقاء الإنسان في الدنيا أي على قيد الحياة، وبالرغم من أن الوعي الدين يقوم أيضا على الإيمان بالحياة الأخرى، فإنه لا يوجد ما يشير ولو لمجرد الإشارة بأن للدين وظيفة في الحياة الآخرة، الدين كله دنيوي وحاجة الإنسان إليه دنيوية أي مرتبطة ببقائه في الدنيا فقط، والمصلحة من وجود الرسل ووجود برنامج التعاليم التي يطلب من الإنسان تطبيقها كلها موجهة لهذه الحياة وحدها، وهناك حكم قاطع ونهائي في الدين بأن عمل ابن آدم ينقطع بانقطاعه عن الدنيا، صحيح أن كل عمل الدنيا لا تكون له قيمة ولا معنى ولا نتيجة إلا في الدار الأخرى، لكن هذه الحقيقة الدينية هي التي تؤكد أن الإنسان مسؤول في الدنيا، وأن الدين عون له على القيام بمسؤوليته أي دليل، وكذلك الرسل هم هادون ومرشدون وليس لهم دور غير ذلك الدور.

ولو أراد الله أن يرسل ربا غيره إلى الناس في الدنيا كما تزعم الكنيسة خلافا لنصوص الأناجيل الأولى،إنجيل فيليبه وإنجيل برنابه لاختلطت دار العمل بدار الجزاء، و لكان الرب المرسل المزعوم قادرا على تحويل الجنة إلى الدنيا، أو رفع جزء من الدنيا إلى الآخرة وهكذا مما تسمح به ألاعيب منطقية وحدود وتعريفات سقط في شراكها مثقفو المسيحية في القرن الثاني الميلادي وأدخلوا إلى الثقافة الدينية قسما من موروث ثقافة اليونان الوثنية التعددية. وتحضرني هنا قصة الدرويش عطية التي تروى حين سأله أحد الأعيان لماذا لا يغتسل؟ فسأل بدوره ولم؟ فقال السائل الطهارة جيدة ولتصلي، فسأله ولم أصلي؟ فقال: لتدخل الجنة. فصمت الدرويش مدة ثم سأل صاحبه بدوره: ولو أراد الله أن يدخل جنته داخل ناره فأين “يصر بلوطه” عطية حينها؟ أي أين بمقدوره أن يفر من أمر الله.

هي الحياة الدنيا، فيها نظام يجمع بين الحياة والموت، وبين السلامة والمرض، وبين العاهة والجمال، وبين الكوارث التي لا تميز بين صالح وطالح، وفيها الربيع والزهور والجنات، والمال والزينة والولدان والحب واللذات، والحرمان من كل ذلك. نظام قائم على سنن لا تتحول ولا تتبدل وعلى طفرات تتطور بأحوالنا من رتبة إلى أخرى، وكل ذلك محكوم بأجل معلوم، ولنا كل الحرية في أن نؤمن أو لا نؤمن، ووراء كل هذه الحرية تبقى كل الأمر التي نعرفها والتي لا نعرفها في حكم الله وحده الذي لا يسأل عما يفعل.

يشكل ظهور ابن حزم وابن خلدون والشاطبي في الثقافة الإسلامية مرحلة تاريخية حاسمة كما ألح على ذلك محمد عابد الجابري رحمه الله، والمميز في هؤلاء هو تصرفهم في فهم الواقع والحياة اعتمادا على أنها تخضع لسنن الله التي لا تتبدل، ولعل هذا الوعي الجديد هو الذي جعل ابن حزم صاحب الاتجاه الظاهري في التفكير ينادي بالتقيد بظاهر النص لأنه كما شرح ذلك في كتاب الأخلاق والسير أراد أن يحقق النقلة النوعية في السلوك الجمعي للمجتمع من خلال ربط السلوك الفردي بقاعدة بيانات واحدة مشتركة هي ظاهر الحديث الصحيح والنص القرآني، فإن صح فطَبِّقهُ، وهذا كان الهدف منه دفع الناس إلى توحيد نمط سلوكهم ومنحهم حياة مشتركة جديدة، أي بناء هوية جماعية لحياتهم الاجتماعية ذات معالم دينية قابلة للتعرف عليها من كبيرهم وصغيرهم. إنه برنامج لتنشئة الكبار قبل الصغار.

الذي نعاني منه اليوم ليس غياب العلم، بل غياب السلطة المحققة للوظيفة، فالمجتمع لا سلطة فيه لا لأب ، ولا لأم، ولا لزوج أو زوجة، والدولة تستحي من معاقبة المخالف بمسوغات سياسية منها المحافظة على السلم الاجتماعي، والتعددية أصبحت سلاحا لإفراغ الثقافة من أسسها، وهكذا جعل الاستخدام المفرط وغير الواعي منها مسوغا للتخلص من كل شكل من أشكال الطاعة والانضباط داخل المجتمع، وكل هذا تم بإرادتنا وتخطيطنا عندما أقررنا في نصوصنا السياسية من ميثاق الجزائر إلى الميثاق الوطني خطة التغيير القائم على هدم البنيات التقليدية للمجتمع واستبدالها ببنيات جديدة عصرية “أكلها المنشار” في الطريق نحو التقدم، منشار الصراعات الشخصية بين النخب والجماعات، فلا نحن بالبنيات التقليدية الموروثة بخليفتها التي لم نصل إليها بعد. لذلك وجب التصحيح وهو أكثر من ضرورة، وسنعود لهذا لاحقا بإذن الله.

هل سنعود إلى عصر سيادة العلم؟ لكي نغلب العلم ينبغي أن نخلصه من الانتماءات السياسية، والإيديولوجية التي لا علاقة لها به، ولا نوظف العلم في الصراعات التي تنشأ بيننا كمكونات لهذا المجتمع، بل نتعالى على خلافاتنا ونسمو على المصالح الأخرى، ونعيد للموضوعية حيادها التاريخي الذي يجعل منها قضية يؤمن بها الجميع ويمارسها الجميع طلبا للإنصاف والحق والعدل الذي لا يتحقق إلا بالتضحية.

ما دمنا كلنا نشعر أننا أصبحنا ماديين في كل شيء حتى في الصف الأول من صلاة الجماعة، فإن بلوغنا هذه المرحلة يدل على أننا أصبحنا في مرحلة تعرفنا فيها على وعينا بلا أقنعة ولا مساحيق مزيفة، وأننا يمكن أن نصلح وعينا باستعادة إنسانيتنا فقط، استعادة الرجولة واستعادة الخلق الديني، واستعادة القيم الاجتماعية: التعاون، الإحسان، كف الأذى، لجم الأنانية المفرطة… من سيغيرني ومن سيغيرك نحو الأفضل؟ مادمت تعرف ومادمت أعرف..علينا أن نفعل..علينا أن نبدأ..مني ومنك تبدأ الثورة الثقافية المطلوبة على السلبية والطمع والجشع. ولا يوجد طريق آخر إلا في الأحلام، والأحلام ستبقى أضغاثا وحسب مهما طال بها الدهر.. الرؤى هي وحدها التي تساعد على سلوك طريق الاستنارة الطويل، والرؤى بنت التفكير وهي أيضا قد تكون ثمرة الحدس.

الدكتور: محمد الطيب قويدري

1 تعليق
  1. شوية محمد يقول

    قرأت الموضوع الذي تفضل بكتابته الدكتور محمد الطيب قويدري الذي عنونه بمساحة للتفكير: العلم في التفكير..وفي التصرف ونشره في جريدتكم الموقرة ، وإنّه قد أحسن توصيف ما تطرّق إليه ،ورأى أنّ المعاناة لا تكمن في غياب العلم، وإنّما في السلطة المحققة للوظيفة، سواء السطلة الأسرية ، أو سلطة الدولة التي لا تعاقب متذرِّعةً بالمحافظة على السلم الاجتماعي، وختم مقالته مشكوراً علينا أن نفعل..علينا أن نبدأ..مني ومنك تبدأ الثورة الثقافية المطلوبة على السلبية والطمع والجشع. غير أنني أرى أن أساس الأمر يكمن في تفعيل العقيدة ، ولو كان الأمر من هذا المنطلق لتغير الحال ، إن المجتمع بجميع أو أفراده أو الدولة التي ينتظم تحت لوائها لا يستطيعان فعل شيءٍ دون حافزٍ يتمثل في الدّافع العقائدي ، إن تاريخ الأمة أثبت أنّ العقيدة حين يُنفَض عنها الغبار ، ويعود الناس إلى نبعها يستطيعون الانتصار على الذّات وعلى الغير . شكراً

أترك رد

بريدك الالكتروني لا يتم نشره