مساحة للتفكير : نحن والعلم بقلم الدكتور محمد الطيب قويدري

في حياة أي مجتمع لا بد أن  يكون للحياة العلمية الدور الأول في تنمية الشخصية الجماعية للأمة وفي رسم المميزات العامة المشتركة بين مختلف مكوناتها. وكذلك الشأن في حياة الدولة حيث من الضروري أن يكون للسياسة العلمية المكان الأول على رأس قائمة الأولويات الوطنية، ذلك أن العلم في عصرنا أضحى مفتاح الحركة في كل المجالات التي ينشط فيها الإنسان من الصناعة إلى الحرب مرورا بجميع الحقول وانتهاء بالعلم نفسه الذي أضحى صناعة قائمة بذاتها تحتاج إلى مجهود وطني قائم على التخطيط حاجتها إلى نظام وطني للتمويل يجعل المستحيل ممكنا كما قال الرئيس الراحل هواري بومدين : “الصعب نقدر عليه، والمستحيل يتطلب وقتا”.

ومن البديهي أن يحتاج هذا الدور المنوط بالعلم إلى سياسة علمية محكمة تضطلع بتحديد معالمها الحكومات المتعاقبة، وتسهر على تنفيذها جميع مؤسسات الدولة كل في حدود اختصاصه. فلا دولة في غياب العلم، والحياة العلمية لا يكفي فيها تقديم مساهمة جيل واحد، بل هي تراكم يقوم على الوراثة الواعية والمنظمة لتراث وطني دائم التطور يقود مسيرته العلم، ولكنه ثابت ومستقر ومستقل بشخصيته الخاصة عن غيره، تراث حي يتواصل ويتفاعل مع “تراثات” كل المجموعات البشرية الحية.

من هنا تنشأ الحاجة إلى علماء حقيقيين ذوي رسالة إنسانية يكونون بأخلاقهم في طليعة أهل النبل والشرف ضمن الأمة، ويشكلون ضميرها الحي الذي لا يجامل ولا يحابي. وبمساهمتهم الثمينة تنشأ الحاجة إلى الأخلاق العلمية التي يعطيها المجتمع قيمتها ويحافظ على ترسيخها في نفوس المنتسبين إليه، كما تنشأ الصفات التي إذا ما انتفت من المرء لم يكن حقيقا بالمهنة التي تشرّف أصحابها وتميّزهم عن غيرهم من العوام. هذه الأخلاق التي تدفع الناس كلهم إلى الإجماع على إجلال العلماء واحترام مقاماتهم وتكريمهم، وتقديمهم في كل الأمور ذات الشأن، ومن قوة هذه الأخلاق يستمدون سلطتهم المعنوية التي لا تمس.

كل هذا واضح في أذهان الجزائريين من زاوية نظرية، لكن مشكلاتنا كانت دائما في التطبيق كما قال الفلاح المرحوم للرئيس الراحل ذات مرة : ” نحن علينا بالعمل، وأنتم عليكم بالتطبيق” . إذ في التطبيق يمتحن العالم والمعلم من كل الرتب وعلى جميع المستويات، كما تمتحن الإدارة العلمية والمؤسسة العلمية. و قبل أن يحاسب المعلم والباحث المدرس نفسه على ما يقوم بتدريسه، ينبغي بداهة أن يحاسب نفسه على ما يحصله هو نفسه من وسائل وأدوات العلم، وما يلزم به نفسه من شروط العمل مع طلبته، وأولها الشروط العلمية والأخلاقية التي تحول دون تحول الجامعات إلى مجرد مدارس ضخمة بلا روح وبلا مضامين، ومن دون رسالة.

قال الرئيس بومدين ذات مرة: إننا نعمل بجد، ولكننا لسنا راضين أبدا على ما نتوصل إليه من نتائج، وعلينا أن نفكر دائما في تحسين طرق عملنا، وأن نعمل على تجاوز التأخر الكبير الذي يحول بيننا وبين التقدم، كما أضاف إننا يجب أن نشعر بأننا لم نؤد واجبنا كاملا، وأن الذين أدوا الواجب كاملا هم الشهداء وحدهم”. هذا المنهج النزيه فكريا يكشف ضرورة الاهتمام بتزويد المسؤولين بالحس النقدي، وإرغامهم إذا لزم الأمر، ويبدو أنه من اللازم القيام بذلك، أي دفعهم من قبل الحكومة إلى ممارسة النقد الذاتي بصفة منتظمة، وفي حال الضرورة إخضاعهم لأنواع من الرسكلة بصفة دورية، ولنظام مدروس من التوجيه الفوقي لإعادة تحيين وعيهم الواقع تحت تأثير الضغوط، لأن مثل هذا التحيين لوعي المسؤولين والموظفين ضروري عند التقييم، ومفيد عند إعادة الانطلاق والإقلاع نحو آفاق أوسع وأبعد مدى.

لكن الوعي النقدي لا ينبغي أن يتحول إلى عائق عن السير الحسن للتفكير، كما هو الشأن عندما نرى هذا النمط المتفشي عندنا من الانتقاد المرضي لكل شيء، فالنقد عندما يستخدم لأغراض سياسية غير سوية، وعندما يصبح مجرد عادة سلوكية سيئة لدى الجميع، فإن التفكير السليم يصبح في حالة اختلال، وسيتهدد حياة المجتمع والدولة خطر الانحراف عن الأهداف المرسومة ضمن الاستراتيجية الوطنية لاكتساب العلم والسيطرة على وسائله وأدواته وتوظيفه لخدمة التنمية الوطنية.

لا ينبغي لنا أن ننتقد اتجاه الدولة إلى الإكثار من بناء الجامعات التي أصبحت تغطي كل ولايات الوطن تقريبا بداعي ضعف المستوى العلمي وتهلهل التأطير، لأن هذه المشكلة واجهت أمما أكثر منا تقدما واقتضت منها وقتا لمعالجة مازالت متواضعة. لكن من العملي والمفيد أن نفكر في وسيلة غير مكلفة لتحسين مستوى التأطير، وفي الوقت الحاضر وفي ظل ظروف طارئة هي ظروف انهيار أسعار النفط بسبب السلوك غير المسؤول للمسؤولين عن الإنتاج وعن استقرار ونمو سوق المحروقات في بعض البلدان، فإن الاتجاه نحو تدعيم كفاءة التأطير بإحياء سياسة التعاون الفني الأجنبي يبدو غير متاح لأسباب مالية في الأقل، لذلك ينبغي التفكير في إعادة تنظيم البيئة العلمية والثقافية بطريقة توفر أساليب جديدة تكفل الاستفادة من فرصة يمنحها لنا العصر وهي فرصة تسخير تكنولوجيات الاتصال الحديثة وشبكاتها لتوسيع المساهمة الخارجية للتأطير بتوظيف الأساتذة الجزائريين العاملين خارج البلاد من أصحاب المستويات العالية في دعم عمل الجامعة، ولن يكون ذلك متاحا إلا بإحداث ثورة في الذهنيات تقضي نهائيا على وجود البيروقراطية في المنظومة التعليمية والبحثية الوطنية، ذلك أن البيروقراطية أخطر على الوطن من الإرهاب نفسه، حتى لا نقول إنها شكل من أشكال الإرهاب يستخدم البلادة والعبث لقتل الروح في الإنسان الجزائري.

إحداث ثورة ثقافية تشمل كل المجالات هو المطلوب اليوم لتجاوز العائق الذهني الذي بنيت عليه عقليات بالية تحولت بفعل الجمود إلى سياسات، مثال ذلك الشعبوية، والتخوين، والاحتكار، والتهميش، والتهجم على كل شيء، والتذمر بسبب وبلا سبب، وأخطر من كل ذلك وأسوأ عقلية الاتكال في كل شيء على الدولة. في هذه المعركة الحيوية قد لا تملك الحكومة سلاحا أقوى من سلاح الجرأة، ووضوح الرؤية، وصدق العزيمة، والقطيعة مع العقليات البيروقراطية، لأن الأمة تواجه تحديات مصيرية.

الدولة عندنا في الجزائر بدت لمواطنيها وكأنها تسير وفق المثل الشعبي الذي يصف الجمل بأنه ” يحرث ويردم”. فحكومة السيد سلال الحالية بدت كمن يعرف أن الحل يكمن في الخروج عن عادات وأحكام مسبقة مرتبطة بالتسيير، استقرت منذ زمن طويل وارتبطت بها بيروقراطية معرقلة تبتكر لكل سياسة ما يلائمها من وسائل العرقلة والتثبيط، لكن الحكومة تشرع في تطبيق سياستها ثم توحي الأحداث بأنها قد توقفت في منتصف الطريق. وقد بدأ الناس في بلادنا يشعرون وكأن نصف الدولة يفعل شيئا، ونصفها الآخر يوقف ويعرقل ويقوم بتعبئة المجتمع ضد ما تفعل الحكومة.

على الحكومة اليوم أن تحل مشكلة البيروقراطية من جذورها بالتخلي عن النموذج الإداري التقليدي القديم الموروث عن الاستعمار، واستحداث نظام حكم وإدارة إلكتروني يتسم بالسرعة والفعالية والابتكار، ربما علينا التفكير في شبكة معلوماتية وطنية خاصة بنا تتميز بكونها مغلقة ومؤمنة بشكل جدي، تزول فيها الحواجز بين المواطن والمسؤول، وتتعامل كل الجهات بعيدا عن أدوات ومداخل الرشوة والمحسوبية والغش.

تستطيع الدولة أن تعوض الناس عن الحاجات المشروعة للتعبير باستحداث بيئة جديدة يشارك الناس فيها في صنع وإنجاح المهام الاقتصادية والعلمية والثقافية، ومثل هذا المجتمع المفتوح والمتحرر هو أرقى شكل يلائمنا من أشكال الديمقراطية المفيدة داخل المجتمع، لأن الأنماط الأحادية التي تنتقد المعارضة حضورها في الساحة السياسية الوطنية يتضح عند التحليل الموضوعي أنها من صنع البنية الراهنة للمجتمع الذي يحتاج إلى تطوير لكل منظومة العلاقات المتبادلة داخله، وإصلاحه بطريقة تتلاءم مع وسائل ونظرة العصر والأجيال الجديدة القائمة على السرعة، كما سيتضح  أن المعارضة والنظام معا هما أبرز ضحايا هذه البنية الاجتماعية المختلة التوازن والمتبلدة بحكم الجمود والبيروقراطية.

د. محمد الطيب قويدري 

 

أترك رد

بريدك الالكتروني لا يتم نشره