مساحة للتفكير: هل يكفي التبرك بالعلم؟ … بقلم: د. محمد الطيب قويدري

عرض أحد الإبستيمولوجيين المعاصرين تعريفا للعلم يقول: ” إنه التصحيح الدائم للأخطاء” وإذا أردنا أن نضع تعريفا للجهل استنادا إلى التعريف السابق فسنقول بداهة إنه : ” الإعاقة الدائمة لعملية العلم أي للعملية التي تولّد العلم” نستأنس بهذا التعريف لأننا نراه مفيدا لنا في مجتمعنا الجزائري وفي مجتمعات العالمين العربي والإسلامي اللذين ننتمي إليهما معا أيما فائدة، ذلك أنه ينبهنا إلى أهمية الجوانب النفسية في نشوء وفي عرقلة أو انتفاء المعرفة عند الفرد ونتيجة لذلك عند الجماعة التي ينتمي إليها، ومن النافل القول إننا سنعالج بالتدريج بعض المظاهر المرتبطة بوضع تعريف العلم هذا الذي يرتبط بالجهل أيضا كما يرتبط بالعلم والمعرفة العلمية أو الموضوعية، لأن منتج العلم والجهل في الحالين هو الإنسان ، وفي حال الجهل لا تنعدم الحياة الشعورية والعقلية للإنسان، وإنما يتم تسيرها بوسائل تساعد على الانغلاق والفوضى والتطرف وينمو الميل إلى السجال أي” المغالبة” بلا حجج سليمة، لذلك فإن أعلى درجات الجهل هي التي تنتشر بين متعلمين تلقوا تعليما سيئا أو مضللا، وهو وضع نعيشه في بلادنا وفي العالم العربي.

في منظومتنا التعليمية لا نعطي أية أهمية لنشر المعرفة بعلم مهم في حياة البشر عموما، والبشر المعاصرين خصوصا، ونعني بهذا العلم “علم النفس” بأنواعه وبتفريعاته المختلفة، وبأشكاله ومناهجه التي تجعل منه علما مفيدا لنا في فهم أنفسنا، وفي كشف ما يحيط بأنشطة هذه النفوس التي يمكن أن تصح فتتيح للعقل النمو والنشاط والفعالية، ويمكن أن تنتابها علة من العلل فتعيق العقل عن النشاط وتحرف عمله نحو اتجاهات تضيع عليه الجهد والوقت و تجعل منه أداة للتوهم ولنشر الأوهام والخرافات وكل ما يؤدي إلى الضلال والتيه.

هذا الخلل في منظومتنا التعليمية المستمر منذ الاستقلال له علاقة مباشرة بما يشوب الوعي الذاتي عندنا الفردي منه والجماعي من أوجه القصور، وما يترتب عن ذلك من تأثير سلبي على طريقة إدراك الناس وفهمهم ومعالجتهم للمشكلات النفسية التي نعاني كجزائريين منها باعتبارنا جماعة معاصرة تعيش في القرن الواحد والعشرين. لكن الغريب أن نجد هذه الجماعة إذا ما اعترضتها ظواهر وقضايا سلوكية خلال بناء العلاقات داخل الحياة الاجتماعية بمظاهرها السياسية والثقافية اليومية نجدها تلجأ إلى استخدام طرق فهم وتأويل تستدعي وتستلهم تراثا علميا سيكولوجيا لم يخضع للتحيين منذ أكثر من ألف سنة.

في حياتنا اليومية، داخل الأسرة وفي الشارع وفي المقهى وفي مكان العمل، عندما تصادفنا مشكلات نعرف كلنا أنها تتعلق أكثر ما تتعلق بمحدودية الدخل والإمكانات المالية العائلية، أو تتعلق بطريقة العيش التي تفتقر في معظم الأحيان إلى النظام والانتظام، وتتعلق بالكيفية التي نتعامل بها مع أولادنا، ثم مع أقاربنا وزملائنا في العمل، فيحصل كم كبير من الاضطراب في حياتنا بلا أسباب ومسببات واضحة، وتسوء العلاقات بلا أسباب معقولة أو مقبولة، مما ينجر عنه قدر كبير من القلق والتشنج الذي يحتاج إلى التنفيس عنه في الأغلب الأعم بسب الدولة مع أننا ندرك كلنا أنها كيان معنوي وأنها تشيد الطرقات وتبني المدارس والجامعات والمستشفيات وتوفر الأمن في أكثر المواقف والحالات حرجا، كما يتم التنفيس عنه بالتعبير عن التذمر من المسؤولين بالرغم من أننا ندرك أننا لن نسامحهم إذا لم يلبوا لنا مطالبنا التي تكون في الغالب رغبات لا تلبى إلا بالدوس على حقوق بعضنا البعض، ولا تلبى إلا بغض الطرف عما هو منطقي، وبمخالفة صريحة ومتعمدة للقانون.

لكننا في الوقت الذي يصبح التحليل هو الحل ننسب كل مشكلاتنا إلى قوى أخرى غير بشرية، و يلجأ مثقفونا ووزراؤنا وضباطنا السامون الذين تلقوا تكوينهم في المدرسة الوطنية التي كانت دائما مدرسة وضعية تعطي معارف ومعلومات وطرق تفكير عصرية أي أن تصورها نفسه كمدرسة هو تصور وضعي بالمعنى القانوني والفلسفي لكلمة “وضعي”؟ لماذا يلجأ هؤلاء إلى “الطالب” أو ” الساحر” أو “الراقي” وربما حتى إلى “الشوافة” لمعرفة مصيرهم المهني، والترقيات أو حتى التعديلات في أعلى هرم السلطة؟

لا تخلو ليلة من ليالينا من النوم والحلم، وفي الصباح يهرع الجميع إلى كتاب قديم هو كتاب تفسير الأحلام لابن سيرين، أو لقواميس مستحدثة على شبكة الأنترنيت اعتمادا على مادته أو مواد أخرى غير معروفة المصدر مما يعاصره أو ربما يكون أقدم منه. صحيح أن تأويل الأحلام يعكس جوانب من شخصيتنا الثقافية، لكن طرح هذه القضية للنقاش من زاوية علمية بحتة، وحتى من الزاوية الاجتماعية والنفسية يكاد يكون أمرا غير ممكن بالنظر إلى ما نشأ داخل المجتمع من تأثيرات لقوى غامضة تنشر ثقافة غيبية تجتهد لإلصاقها عمدا بالكتاب والسنة، وإضفاء نوع من تأثير القداسة عليها، بالرغم من أن الجزء الأكبر مما هو متداول في هذا المجال إنما هو رواسب من منظومات معرفية موغلة في القدم، ومعظمها له جذور راسخة في الثقافات التي سبقت ظهور الإسلام وربما سبقت ظهور الديانات السماوية كلها.

متى نستخدم العلوم التي نقوم بدراستها وتدريسها في حياتنا اليومية؟ ولماذا لم يفكر من وضع مادة الفلسفة في المنهاج الدراسي على سبيل المثال في وضع علم النفس وعلم الاجتماع أو المنهجية بدلا منها، لماذا لم نوفر لأبنائنا وبناتنا الثقافة النفسية العلمية التي تساعدهم على فهم أنفسهم، أي تساعد الأم على القيام بوظيفتها كأول مربية لأبنائها، أي على فهم مراحل نمو أبنائها العقلية، ومراحل تكوين أناهم، والمشكلات التقليدية التي ترافق مراحل العمر التي يمرون بها من الطفولة إلى المراهقة والكهولة وحتى الشيخوخة؟ لماذا لا نرى وجودا لمرافقة علمية مدروسة للمجتمع؟

ومن جهة أخرى لماذا نلوم أبناءنا لأنهم وقعوا وهم مازالوا يقعون فريسة لأشياء مشوهة نطلق عليها تسمية أفكار وهي ليست كائنات معرفية محددة الهوية؟ لماذا نلومهم على السقوط في العمى، وفي الغلو والتطرف ونحن لا نقدم لهم ما يساعدهم على أن تكون لهم مناعة وحصانة ضد الاستغفال، والتغرير، والإغواء، أي التضليل المبرمج ببساطة؟

المعقول هو أن نلوم أبناءنا بعد أن نزودهم بترسانة من المعرفة الموضوعية بنفوسهم وحياتهم الشخصية وبشخصيتهم، وبالحياة الإنسانية ومكانها ضمن الحياة الحيوانية. لماذا نتعجب من كون الجيل الماضي من الأميين في الخمسينات والستينات يتمتع بحياة عقلية محصنة بشكل أفضل من وضع حياتنا العقلية الراهنة؟ ونحن نرى كيف أن وجود العلم ووجود التعلم في حياتنا الوطنية لم يساعد على منع الفرد من أن ينحدر بنفسه إلى مهاوي الغلو والتضليل والتطرف، ونرى في المقابل كيف أن الثقافة العالمة الأصلية التي بنى عليها هؤلاء الأميون منظومة قيم وتفكير جعلتهم يوفقون في أن يسترشدوا بها، فقط لأنهم كانوا يؤمنون بصحتها وبجدواها فعلا وقولا؟

لا بد علينا اليوم أن ننتقل من الحديث عن العلم والمعرفة العلمية إلى تطبيق حقيقي وصحيح لمفاهيمها ضمن حياتنا الفعلية التي أصبح معظمنا ينسب التأثير الأول والأكبر فيها إلى الجن، وإلى ” العمل” و”السحر” ، وكأن الله الذي خلق الجن وأخبرنا عنهم في القرآن لم يجعل لهم أي مهمة في الحياة غير التدخل في النزاعات بين النساء، وفي المشكلات العائلية، مما يجعلهم ناسين أنفسهم ومتخلين عن حياتهم لكوننا مهمين جدا عندهم.

بداهة عندما تكون المشكلة هي ضعف القدرة الشرائية، وعجز الأسر عن تلبية متطلبات الحياة الاستهلاكية وحاجات الأبناء والزوجات إلى قليل من السياحة، أو الترويح عن الصبيان، يكون الحل هو إنشاء منظومة للخدمات الأسرية، وترشيد وتدعيم الاستعمال المنظم للمرتبات والمداخيل الأسرية، وزيادة عدد المؤسسات التي تعتني بالأطفال وتوفر قدرا وأنواعا من التسليات الهادفة للراشدين حتى يستعيد الأشخاص عافيتهم النفسية ويتحسن أداؤهم المهني.

لن يكون من المستغرب إذا ما طلعت علينا في يوم من الأيام تسريبات أو وثائق سرية من نوع “ويكيليكس” تتحدث عن كون تيار هذه الثقافة الماضوية بامتياز الهادر تنشره وتروج له بخبث ومكر بعض أجهزة التوجيه والتأثير المصوبة نحو المجتمع الجزائري خصوصا من بعض بلدان الشرق أو الغرب للتأثير على الجماهير بأهداف خاصة أو عامة أهمها قطع الطريق بين إنسان هذه البلاد وبين التطور العلمي والفكري، وإبطاء التحاقه بمجتمع المعرفة، شعار العصر الذي نعيش فيه.

 بقلم الدكتور: محمد الطيب قويدري

 

أترك رد

بريدك الالكتروني لا يتم نشره