وفاة العقيد أحمد بن الشريف .. لماذا التشكيك في ولاء صُنّاع البطولات ومحققي الانتصارات ؟ بقلم د . محمد الطيب قويدري

رحل العقيد أحمد بن الشريف إلى دار البقاء، واحد من الثوار الذين قاتلوا الجيش الاستعماري، وأبلوا البلاء الحسن بقوة وصلابة، رحل قبله مجاهدون كثر من كل الرتب عقداء وضباط ، مسبلون ومناضلون مدنيون، وسيرحل بعده تباعا من بقي على قيد الحياة من الجيل الذهبي للجزائر، جيل نوفمبر العظيم.

كلما رحل أحد الثوار الأحرار شعرنا بأن ثغرة فتحت في جدار الوطنية الذي يحرس وحدة الجزائر وحدة الوطن والأمة، وكلما رحل أحد هؤلاء قامت زوبعة من الضجيج، هناك حقا أصوات لا تجد الراحة والمتعة إلا في دق إسفين بين هذا المجاهد وهذا القائد وقد يكون كلا الرجلين في دار البقاء، هناك رائحة في الأجواء ليست جيدة، هناك رائحة تذكرنا بعمل جهاز لاصاص سيء السمعة.

نتساءل بعفوية، ونحن نشغل آلية الاستفهام والتساؤل، نشغل معها آلية الملاحظة والانتباه، هل هناك من قادة جيش التحرير من رحل ولم يصاحب رحيله هذا الضجيج وهذا الصخب حول جانب من تاريخه أو صحة نضاله وجهاده؟

لماذا ولمصلحة من يحاول بعض هؤلاء التشكيك حتى في حقيقة ولاء صناع الثورة وصناع أمجاد الجزائر للثورة التي كانوا جزء منها وكانوا أدواتها ومعناها في الميدان؟ لماذا يثار الشك حول ولاء صناع البطولات ومحققي الانتصارات للنظام الثوري الذي كانوا قادة فيه ومنفذين وآمرين؟

من سلم من هذه الممارسة المشبوهة والموبوءة: بومدين؟ الشاذلي؟ علي كافي؟ عبان رمضان؟ كريم بلقاسم؟ بن طوبال؟ كل واحد من هؤلاء وغيرهم نال نصيبه من التهجم والتشكيك كأننا أمام برنامج ينفذ بإرادة عدوهم؟

بأي منطق نبني ثقافتنا السياسية وشعورنا الوطني؟ وبأي منطق نفكر؟ بأي منطق أصبح البعض يعطي لنفسه الحق، بدون وجه حق في محاكمة الذين صنعوا الأحداث وكانوا في قلبها ، وحبسوا وعذبوا وحوكموا وصدرت في حقهم أحكام الإعدام نفذت أم لم تنفذ؟

ماذا قدم قضاة اليوم المجانين للثورة أو الدولة أو الوطن ليكتسبوا هذا الحق الإلهي في محاكمة أولئك الذين لم نحضر معهم المعجزة ولم نشاركهم ولم نوجد حتى لنقدم لهم العون والمؤازرة التي لم ينتظروها منا ولا من غيرنا؟

أية أخلاق هي تلك التي أفقدتنا التواضع والتقدير الصحيح للأمور وللذات حتى نقول عمن اجتاز خط موريس المكهرب والملغم 14 مرة دون أن يرف له جفن من خوف أو يخفق له قلب ، إنك كذا أو ابن كذا؟ وهو الذي خاض المعارك وقاتل وذاق مرارة الأسر كما ذاق حلاوة النصر؟ من؟

لقد كان العقيد أحمد بن الشريف سيد الرجال في حياته، وكان لا يخاف أحدا، وكان الذين يتجرأون اليوم لا يحافظون بين يديه حتى على وضوئهم إن كان لهم وضوء؟

كان على من يتصدى للحكم على الرجال أن ينصفهم وأن يذكر مالهم ، وأن يؤجل ما عليهم إلى مابعد الدفن كما يفعل كل من يستحي من الله، الرجال ينتظرون حتى تسكت البواكي من بنات ونساء الفقيد، هؤلاء المجاهدون هم أشخاص طبيعيون لهم أولاد وبنات  ولهم محبون من كل الأعمار وفي كل الجهات، وهؤلاء قدرهم العالم من شرقه إلى غربه لتضحياتهم ولتكوينهم العسكري ولروح النضال والقتال العنيدة في نفوسهم، ولتفانيهم في خدمة قضيتهم، ولأن أحدا منهم لم يكن يحلم برؤية لحظة الاستقلال التي وصلت بسرعة.

لقد كان شباب نوفمبر شيوخا حنكتهم التجارب لأنهم خبروا في سبع سنين ما لم يعرفه غيرهم في قرون، ولأن وعيهم لم يكن مثل وعينا ولا إرادتهم كانت مثل إرادتنا ولو كنا مثله لقادت الجزائر بنا العالم اليوم.

كانت هذه الكلمة عن سي أحمد بن الشريف،  العقيد الذي قاد رجالا ثوارا ، وأسس الدرك الوطني، وحكم عليه بالإعدام، لكن كل ثوار الجزائر كانوا أحمد بن الشريف، لقد كان مثلهم في الحياة رفاقهم الذين استشهدوا: بن مهيدي، وبن بولعيد، وديدوش وصناديد كثر لم تروج أسماؤهم وقصص بطولاتهم لأنهم اختاروا الصمت والثواب في الآخرة، لقد كان المجاهدون الذين بقوا على قيد الحياة مشاريع للشهادةولذلك علينا أن نستحضر الحقيقة المرة وهي أن العدو مازال ينشر الفتنة وأسبابهاويغذيها، ومازال يجد بيننا حطبا لها ينشرها وينفخ في جمرها المنطفئ.

إنها لنقيصة منكرة أن نبخس الناس تاريخهم ونحن لا نعرف من هم ولم نجالسهم ولم نسمع منهم ولا عنهم ما يكفي، ونكتفي بدلا من ذلك بالانتقادونحن نحتسي القهوةفي المقاهي ولا نعرف حتى طريقة تحري الصحة والدقة في ما نقوله.

الحكماء يقولون ليس كل ما يعرف يقال، والإسلام الذي ندعي تمثيله نهانا عن ذكر موتانا بسوء.

تحية لجيل نوفمبر من القلب، ووداعا لبطل آخر من أبطال الجزائر سي أحمد بن الشريف.

أخبار دزاير: الدكتور محمد الطيب قويدري

1 تعليق
  1. غير معروف يقول

    كان الله في عونكم

أترك رد

بريدك الالكتروني لا يتم نشره